من أزمة إلى أخرى ينتقل "حكم الإخوان" بمصر، وكأنه يتعمد استنزاف كل قوي المجتمع وكل مؤسسات الدولة في صراعات يومية، ظناً منه أن هذا هو طريقه إلي "التمكين" والسيطرة الكاملة علي الحكم، وإقامة النظام الفاشي الذي يتصور أنه قادر على خداع الجميع بشعارات دينية يكذبها الواقع الذي يقول إن الإسلام برئ من كل ذلك، وأن دين العدل والحق والمساواة وكرامة الإنسان لا يمكن أن يكون سلاحاً في يد المتاجرين بالدين، لكي يقهر الأمة ويحكموا بالفكر على كل من خالفهم الرأي.
آخر الأزمات هو الإعلان الصريح للحرب على القضاء. الأمر ليس جديداً فالمعارك مستمرة مع القضاء منذ أن أصدرت المحكمة الدستورية حكمها في العام الماضي ببطلان انتخابات مجلس الشعب الذي تم حله بعد ذلك بعدها استمرت المعركة بين الحكم الإخواني والقضاء. وشهدنا حصار المحكمة الدستورية لمنعها من إصدار أحكام ببطلان انتخابات مجلس الشورى (إسوة بمجلس الشعب) وببطلان التشكيل الثاني للجنة الدستور بعد أن حكمت ببطلان التشكيل الأول.
ثم كانت إحدى الكوارث التي اقترفها الحكم بإصدار الإعلان الدستوري الذي منح فيه الرئيس المصري لنفسه كل السلطة لإصدار القوانين ومنع عرضها على القضاء، وقام بتحصين مجلس الشورى لمنع الحكم بحله، وتحصين لجنة الدستور حتى تقوم بإصدار الدستور بلا شرعية وبانفراد كامل من "الإخوان" وحلفائهم.
وفي غياب كل القوى الوطنية بمختلف اتجاهات. وليتم على أساسه عزل النائب العام بلا سند من القانون، وتعيين نائب عام من أعضاء الجماعة بقرار باطل أسقطه القضاء ويرفض الحكم بتنفيذه حتى الآن.
المعركة مع القضاء متواصلة، لكنها الآن تنفجر بشكل جديد، وتنتقل إلى مرحلة أخرى غير مسبوقة من التصعيد. قبل أسابيع نشر حوار لمرشد الاخوان السابق محمد مهدي عاكف أشار فيه إلى خطة للتخلص من أكثر من ثلاثة آلاف قاض يمثلون ربع قضاة مصر، وقد تصور "الإخوان" ان هذه اللحظة جاءت مع الضجة الإعلامية التي أحاطت بالظهور الأخير للرئيس السابق مبارك في المحكمة.
القرار كان متوقعاً بحكم القانون، والرئيس السابق لم يطلق سراحه، بل تم نقله من المستشفى العسكري الذي كان يرقد فيه إلى مستشفى السجن، ومع ذلك تم تصوير الأمر على أنه مؤامرة من القضاء، وتم الحشد لتظاهرات تطالب بالتطهير، وتم الإعلان عن مشروع قانون لخفض سن المعاش للتخلص من الثلاثة آلاف من الذين تحدث عنهم المرشد السابق، تمهيداً لتعيين غيرهم من الأنصار.
لماذا الآن، يقال إن السبب هو القرار الخاص بإنهاء حبس الرئيس السابق بعد احتياطياً في إحدى القضايا، ويقال إن السبب هو الإفراج عن بعض رموز النظام السابق بسبب عدم إدانتهم فيما نسب إليهم.
لكن هذا يتصادم مع السعي الحثيث من"الاخوان" للصلح مع الرموز الاقتصادية للنظام السابق لدرجة إرسال المبعوثين للموجودين منهم في الخارج ودعوتهم للعودة، ويتصادم أيضاً مع الجهود التي تبذلها الجماعة وحزبها للتحالف مع "فلول" النظام السابق من رجال الحزب الوطني المنحل تمهيداً للانتخابات البرلمانية القادمة.
ويقال إن السبب هو الحرص على القصاص لشهداء الثورة، بعد صدور عدة أحكام لا تدين ضباط الشرطة الذين قدموا للمحاكمة ولم تثبت عليهم الاتهامات. ولكن السؤال هنا: ولماذا لم يقدم حكم" الاخوان" الأدلة التي وعد بها لإثبات الإدانة؟ وهل من يسعى حقيقة للقصاص من الشهداء يضيف لهم أكثر من مئة شهيد في بضعة أشهر؟!
النظام الذي لا يستهدف إلا الهيمنة على السلطة انتقل من فشل إلى فشل، وبحكم تكوينه العقائدي يرفض المشاركة، ولا يعترف بجوهر الديمقراطية، ويتصرف على أساس أنه جاء إلى الحكم بإرادة إلهية (كما أعلن وزير إعلامهم قبل أيام).
وبالتالي فعلى الجميع أن يرضخوا، وعلى الطامحين في شراكة أن يتخلوا عن طموحهم، وعلى من يتحدث عن "تبادل الحكم" كقاعدة أساسية للديمقراطية أن يعرف أن دون ذلك بحر من الدماء، وعلى من آمن بالثورة طريقاً للحرية وللكرامة وللعيش الكريم أن يدرك حقيقة الشعار الذي رفعه الإخوان حين حصلوا على الأكثرية في البرلمان المنحل، فاعتبروا ذلك نهاية الطريق للثورة وقالوا بوضوح: الشرعية للبرلمان ولا شرعية للميدان.
الخطير الآن أن التصعيد ضد القضاء يأتي في ظل الخوف من الإطاحة بالنائب العام المحكوم ببطلان تعيينه، والمجيء بآخر من جانب المجلس الأعلى للقضاء يفتح الملفات المغلقة، بدءاً من تزوير بطاقات انتخابات الرئاسة في المطابع الأميرية، وحتى مقتل أكثر من مئة شهيد منذ حكم مرسي.
والخطير أن إعلان الحرب ضد القضاء يأتي قبل انتخابات برلمانية حاسمة يفترض أن يشرف عليها القضاة، وأعلنت جبهة الإنقاذ المعارضة أنه يمكن ان تشارك فيها إذا ضمنت نزاهتها، وتشير كل التوقعات إلى أن "الاخوان" لن يحصلوا على أكثر من 20 % من مقاعد البرلمان في انتخابات نزيهة فعلاً. ولهذا لزم قطع الطريق على ذلك.
والخطير أن التصعيد ضد القضاء يتم في ظل تصاعد السخط الشعبي والمعاناة من الأحوال المعيشية، والمخاوف من مخططات للتقشف على حساب الفقراء ومن هنا الحاجة لقوانين جديدة تتيح المزيد من القمع، وقضاء تحت الهيمنة يتصور "الاخوان" أنهم قادرون على تحويله إلى أداة للقمع وليس للعدالة.
والأخطر من كل ذلك أننا لسنا فقط أمام معركة ضد القضاء المستقل، بل نحن أمام معركة " الاخوان" ضد مصر كلها، شعباً ودولة، فالقانون الذي يريدون تمريره لا يتوقف فقط عند تعديل سن المعاش للقضاة.
ولكنه يفتح الباب أمام ما هو أخطر حين يفتح الباب أمام "التطهير" الذي يستهدف إبعاد كل العناصر المناوئة. ليس فقط من القضاء (وهو كارثة) ولكن من كل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية (وهو كارثة الكوارث) حين يتحول الأمر إلى وسيلة للانتقام وطريق للتمكين والسيطرة على كل مؤسسات الدولة بما فيها الجيش والمخابرات.
لن يكون القضاء المصري وحده في هذه المعركة. إنها معركة كل القوى الوطنية وكل مؤسسات الدولة ضد من اختطفوا الثورة، ويريدون اختطاف الوطن بكامله!!