تزايد الجدل وكثرت منابر الحوار طوال العامين الماضيين حول قضايا الشباب، التي احتلت موقع الصدارة في كافة أجهزة الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية.
واستطاعت المواقع المتعددة للشبكة العنكبوتية الدولية (الانترنت) أن تضيف أبعاداً جديدة، وسّعت فضاء الاتصال والتواصل بين الشباب، لدرجة لم يعد في مقدور الآباء والأمهات معرفة ماذا يدور داخل غرف بناتهم وأولادهم من اتصالات مع شبكة واسعة، تضم أصدقاء وصديقات من جنسيات مختلفة، وأعمار مختلفة.
وفي أوقات متباينة. وبفعل التواصل المستمر تبنى علاقات على أسس من التفاهمات، وتقارب وجهات النظر في القضايا الفكرية والفنية.. بسبب التقارب في الميول والاتجاهات، وهكذا يتشكل "رأي عام" شبابي، له منطلقاته واتجاهاته التي لا يعرف الكبار عنها شيئاً، وتنامى الفكر الشبابي، لدرجة أن هنالك جماعات استطاعت توليف "لغة" تفاهم جديدة، لا يفهمها إلا أعضاء الجماعة، لتبقى أسرارهم بعيدة عن التداول!
ليس بعيداً عن كل الذى يجري هنا وهناك، سوى أنه مع بزوغ عصر الألفية تحول العالم الرحب بقاراته الخمس الذى نعيش فيه إلى قرية كونية، تتحكم فيها شبكة المعلوماتية الرقمية، والفضاء المفتوح، ومن لا يجيد التفاعل أو التعاطي مع أبجديات ورموز هذا المناخ الرقمي، سيجد نفسه غائباً أو مغيباً وغريباً عن عالم ننام وعندما نستيقظ صباح اليوم التالي يكون كل شيء فيه قد تبدل.
في هذا الجو المفعم بالتجليات والمستجدات، هبت رياح ما تعارف البعض على تسميته بــ"الربيع العربي" على غير توقع، لأن مراكز أبحاثنا كانت وما زالت عاجزة عن رصد التحولات البنيوية، التي تحدث داخل البناء الاجتماعي social structure)) للمجتمعات العربية، من خليجها إلى محيطها، بل إن الجامعات التي تحتضن الشباب داخل قاعاتها، لم تكن على دراية بما يدور في أذهان الشباب.. وقد عبر أحدهم في مدونته بما معناه "نحن غرباء ولا أحد يفهمنا"..
رب قائل نحن نعيش في منزل نتقاسم فيه الغرف مع أبنائنا وبناتنا، لكننا في واقع الأمر نعيش في جزر.. لا يربط بينها رابط، لكل خصوصيته وأسراره التي لا يبوح بها لأحد.
ومع بزوغ عصر العولمة حذر ونبه الباحثون والمهتمون بالدراسات الأسرية، من أن تلاشي وتراجع دور الأسرة الممتدة، أضر بوظائف الأسرة العربية.. فانعكس ذلك سلباً على شبكة العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع.. بل نجد أن جهات عديدة أصبحت تمارس أدوارا مختلفة في تربية وتنشئة أفراد المجتمع، بدءاً من المربيات وخدم المنازل، وانتهاء بالحضانات ورياض الأطفال والمؤسسات التربوية والتعليمية.
وقد أشارت دراسات أجراها مكتب التربية لدول الخليج العربية، إلى أن أجيال عهود طفرة النفط اكتسبت الكثير من أنماط قيم وسلوكيات غريبة على تقاليد وعادات المجتمع الخليجي.
وأن تدفقات العمالة الأجنبية بأعداد تفوق نسبة السكان المواطنين، كانت وراء انتشار موروث ثقافي لم يكن معروفاً من قبل، لدرجة أنه أصاب لغتنا التي دخلتها مفردات غريبة عن الأصل العربي، وما لم تتخذ التدابير الكافية لحماية الموروث الثقافي والحضاري لمجتمعنا.. فإن النتيجة بمرور الوقت ستنعكس سلباً على الهوية والتراث الثقافي للمجتمع.
لقد ألقت رياح الربيع العربي، كما سبقت الإشارة، بظلال كثيفة على الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للمنطقة، كما لفتت الأنظار إلى التحولات الكبرى التي طالت حياة الشباب في جميع نواحيها؛ العلمية والتقنية والثقافية.
ولكن ولله الحمد جاءت نتائج استطلاع آراء الشباب العربي مرضية للغاية، وقد أسعدت كثيراً وأثلجت صدور القادة والمسؤولين والمهتمين بقضايا الشباب العربي، الذى يعتبر "الثروة الحقيقية" و"الحصن الواقي" لمجتمعاته من كافة الأخطار والانقسامات التي تهددها.
ولقد جاء ذلك في نتائج استطلاع «أصداء بيرسون ــ مارستيلر» السنوي الخامس لرأي الشباب العربي، الذي تم كشف النقاب عنه بالأمس في دبي.
وفي تطابق مع نتائج استطلاع رأي الشباب العربي 2012، واصلت الإمارات تصدرها قائمة البلدان النموذجية. وعند سؤال الشباب العربي عن اسم البلد الذي يودون العيش فيه، أجمع غالبية المشاركين على تفضيل دولة الإمارات على غيرها من جميع بلدان العالم.
وجاءت الإمارات العربية المتحدة على قائمة خيارات 31 في المئة من عموم المشاركين في الاستطلاع، الذي شمل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تلتها فرنسا (18 في المئة)، والولايات المتحدة الأميركية وتركيا (16 في المئة).
وشمل استطلاع الرأي الأضخم من نوعه في العالم العربي، الفترة الممتدة بين ديسمبر 2012 إلى يناير الماضي (2013)، بمشاركة ثلاثة آلاف شاب وشابة، تتراوح أعمارهم بين 18 ــ 24 عاماً، من 15 دولة بينها دول مجلس التعاون الخليجي.
وبهذه المناسبة أعرب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، عن سعادته؛ لأن شباب الإمارات أكثر من غيرهم يؤمنون بقدرة بلدهم على المنافسة العالمية، حسب نتائج الاستطلاع، معرباً سموه عن أن ثقته بهم عالية، وتوقعاته منهم كبيرة، كما أعرب سموه عن سعادته؛ لأن أغلبية الشباب العربي (74%) متفائلون بأن المستقبل أفضل، حسب الاستطلاع نفسه، مؤكداً أن طاقة التفاؤل والإيجابية ستصنع غداً أفضل للجميع.
وقد عبر سموه عن ذلك من خلال تدوين على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، وقال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: «لا أذكر هذه النتائج تفاخراً، بل أومن بأننا ما زلنا نتعلم، وما زلنا في بداية الطريق، وهدفنا المنافسة عالمياً في جميع المجالات».. وهذا ما يجب أن يكون حافزا إضافيا للجميع، وخاصة للشباب قبل غيرهم، من أجل صيانة المكتسبات وتحقيق المزيد من الإنجازات.