لدي ولع بالأندلس، ذلك الجزء من جنوب إسبانيا الذي فتحه العرب، وهو يضم اليوم العديد من المدن التي أصبحت من أكثر الأماكن في العالم من حيث ارتياد الزوار لها، ويرجع ذلك إلى بهائها المعماري الفريد وتاريخها المميز معا. وتضم الأندلس ثلاث مدن من هذا الطراز، هي قرطبة وإشبيليه وغرناطة، وقد زرتها جميعها وأمضيت في بعضها العديد من الأيام والليالي.

ذات مساء تلقيت أنا وزوجتي دعوة للعشاء من زوجين من أصدقائنا في مراكش، وتطرق الحوار إلى موضوع السياحة التي تتميز بها إسبانيا، وبصفة خاصة ذلك الجزء منها الذي يعرف باسم الأندلس التي تضم منتجعا أثيرا لدى السياح، ثم استفسرت الزوجة إحسان فجأة مني عما إذا كنت قد زرت مكانا يدعى روندا.

وقد اضطررت للإقرار بأنني وزوجتي لم نزر هذا المكان من قبل قط، بل إنني في حقيقة الأمر لم أسمع بذلك الاسم. وعندئذ مضت لتحدثني بأن عائلتها كانت حتى وقت قريب تمتلك بيتا لقضاء العطلة في روندا، ولكن أفراد العائلة كانوا قد قرروا بيعه.

وأوضحت لي الموقف بقولها: "كانت روندا في وقت سابق جزءا من إسبانيا، شأن غرناطة على سبيل المثال، وفي حقيقة الأمر أنها بقيت في أيدي العرب مدة أطول من أي مدينة أخرى فتحوها في إسبانيا".

وقد أقنعتنا بأن روندا جديرة بالزيارة، خاصة وأننا نقيم في مراكش، بحيث أن كل ما نحتاج إلى القيام به هو عبور ذلك الامتداد المائي الذي يفصل بين أوروبا وإفريقيا.

وهكذا، وبعد أن عبرنا بسفينة إلى ميناء صغير على الجانب الإسباني من البحر، ركبنا سيارة أجرة لتقلنا إلى روندا، ولم تطل بنا الرحلة حتى شعرنا بالانزعاج حيال ضيق الطريق الذي كنا ننطلق بالسيارة على امتداده، وفي حقيقة الأمر فإنه كان ضيقا ويمتد عاليا بسرعة بالغة، حيث وصلنا إلى ارتفاع 4200 قدم، وهو الأمر الذي سمح لروندا بأن تبقى في أيدي المسلمين حتى عام 1485، ومنع الملك فرديناند وزوجته إيزابيلا من إضافتها في وقت سابق إلى المدن التي انتزعاها من المسلمين في الأندلس.

من أغرب الأمور بالنسبة لروندا، أنها يشطرها نهر غودلفين، الأمر الذي يجعلها حصينة من كل الجوانب باستثناء الجنوب. وتمتد المدينة الحديثة على الوادي المنخفض الذي يشقه النهر، حيث تمتد ثلاثة جسور.

وفي العصور الوسطى كانت المدينة العربية تقتصر على النصف الجنوبي من الصخرة، وها هنا يوجد معظم الصروح التي بقيت حتى الآن. وكان يطلق على البيت، الذي امتلكته زوجة صديقي في مراكش فيروندا وباعته في وقت لاحق، اسم "كازا ديل مورس"، وهو لا يزال قائما حتى الآن على صورة متحف، ويعد من الأماكن التي لا ينبغي أن يغفل أي سائح عن زيارتها.

غير بعيد عن هذه الدار، تمتد الحمامات العربية التي تشتهر بأنها من بين أفضل الحمامات التي لا تزال قائمة في الأندلس. وتفضي 365 درجة بالمرء صاعدا من مياه غودلفين إلى أرض مدينة روندا الجافة. وتشير الروايات إلى أن الأسرى كانوا يحملون الماء المطلوب في المدينة في دلاء وقرب، وهي العادة التي نبعت منها اللعنة الشهيرة في أوقات سابقة، حيث كان يقال: "لتمت في روندا حاملا القرب".

وقد وجد الكثيرون في روندا جاذبية خاصة، ومن بين الشخصيات التي استقطبتها هذه الجاذبية الشاعر الألماني راينر ماريا ريلكه الذي يوجد تمثال له في حدائقها الغناء، التي صممها في عام 1912 مصمم الحدائق لفرنسي الشهير فورستييه، وقد أبدى ريلكه اهتماما خاصا بمصارعة الثيران، وهي مهارة كانت روندا المدينة ترتفع بها إلى حد التألق.

وكان الأديب الأميركي الشهير أرنست همنغواي مولعا كذلك بمصارعة الثيران، وكتب عنها عملا رائعا بعنوان "الموت في الأصيل"، وكذلك عن مصارعي الثيران الشهيرين وقتئذ، وكان يعرفهم معرفة شخصية، وبصفة خاصة مصارع الثيران المميز مانوليتي الذي لقي مصرعه في الحلبة.