بقدر ما كانت "الوحدة الوطنية" تمثل بالنسبة للمصريين جميعاً الخط الأحمر الذي لا يجوز الاقتراب منه، بقدر ما كانت "الفتنة الطائفية" هي الورقة الأخيرة التي يلجأ إليها النظام أو تفرضها عليه الأحداث، حين تشتد الأزمة ويقترب السقوط.

على مدى أكثر من أربعين عاماً شهدت مصر العديد من الأحداث الطائفية التي بدأت منذ السبعينات، لكنها المرة الأولى منذ قامت الدولة الحديثة في مصر التي تصل فيها الأحداث إلى هذا المستوى من الخطر، حيث تتعرض للعدوان "الكاتدرائية المرقسية" حيث المقر البابوي لرأس الكنيسة المصرية الذي يدين له بالولاء الملايين من المصريين وغير المصريين في العالم كله.

وزاد من فداحة الحادث أنه جاء مع تشييع جثامين ضحايا سقطوا في حادث عنف جرى في اليوم السابق في إحدى قرى محافظة القليوبية القريبة من القاهرة. حادث بدأ بلعب أطفال (تبين بعد ذلك أنهم مسلمون)، حيث تم رسم "الصليب المعقوف" النازي على جدران أحد المعاهد الأزهرية، لتبدأ بعدها أحداث طائفية انتهت بمصرع مسلم وأربعة أقباط.

تشييع الجنازة من الكاتدرائية انقلب إلى مأساة، واشتباكات مع تقصير واضح من جهاز الأمن، وغياب كامل للدولة على امتداد الأحداث.

الحادث المأساوي وضع مصر في منعطف خطير، خاصة أن المد الطائفي يتصاعد بسرعة، وفترة ما بعد الثورة شهدت اعتداءات عديدة على الكنائس، وشهدت تصعيداً من جانب الاتجاهات المتطرفة التي تثبت أقدامها في الواقع المصري يوماً بعد يوم، مستغلة وجود الإسلام السياسي في الحكم من ناحية، وتفكك مؤسسات الدولة من ناحية أخرى.

المخزون الحضاري لدى شعب أثبت أنه مازال حاضراً في المشهد، وإلا لتحول الأمر إلى مأساة مع حجم الغضب لدى الأقباط مما حدث. وربما كان هناك عامل آخر له دور أساسي في تفادي الأسوأ حتى الآن، وهو أنه قبل بضعة أيام مما حدث للكاتدرائية، كان هناك انتهاك آخر لا يقل خطورة، حيث تم استغلال حادث تناول بعض طلبة الأزهر لأطمعة ملوثة ونقلهم للمستشفيات.

لكي يتم اقتحام مشيخة الأزهر من جانب طلاب تابعين لجماعة "الإخوان" ولكي تتم المطالبة بإقصاء شيخ الأزهر، وهو ما أثار ردود فعل غاضبة وتظاهرات مضادة لتأييد شيخ الأزهر الذي يعرف الجميع أنه مستهدف من جانب الإخوان.

اقتحام مشيخة الأزهر والعدوان على الكاتدرائية وحد مشاعر الغالبية العظمى من المصريين غضباً من استهداف المؤسستين الدينيتين العريقتين. ولقد كان مثيراً للانتباه أنه مع اندلاع الأحداث الطائفية في قرية "الخصوص"، كان الحضور الوحيد هو لشيخ الأزهر الذي أوفد على الفور مبعوثاً خاصاً لوأد الفتنة، في غياب كامل للدولة التي لم تحضر إلا بعد أن تحول الأمر إلى كارثة بالعدوان على الكاتدرائية!

كان هناك إدراك شعبي بأن استهداف الأزهر ثم الكنيسة أمر مقصود، وجزء من مخطط لاستكمال الاستيلاء على سلطات الدولة. وكان هناك إدراك أيضاً بأن هناك أطرافاً ترى أن إشعال الفتنة الطائفية يصرف الأنظار عن أزمة اقتصادية طاحنة، وانسداد سياسي كبير، وفشل في التعامل مع كل القضايا الأساسية.

تقصير الشرطة وغياب الدولة يعطي مؤشراً بأن الغضب يجب أن يذهب لمحاسبة المسؤولين عن الحكم، وليس في اتجاه الصراع الطائفي. وربما عزز من هذه المشاعر أن المؤسسة العسكرية التي مازال وجودها ضمانة لعدم وقوع البلاد في الفوضى، كانت تتعرض أيضاً، وفي الوقت نفسه، لحملة شرسة من جانب "الإخوان" ولأول مرة يخرج علينا من أصفياء الحكم من يتحدث علناً عن ضرورة إنشاء "حرس ثوري" في مصر.

المخزون الحضاري لشعب مصر صمد في هذا الاختبار الصعب. لكن هذا لا يعني مطلقاً أن خطر الفتنة الطائفية ليس وارداً، خاصة مع تصاعد الاتجاهات المتطرفة، ومع تراجع مؤسسات الدولة، ومع غياب أي إرادة لدى الحكم في استيعاب الموقف، حتى بدا وكأن التصعيد مقصوداً ومتعمداً!!

فهل من المعقول في ذروة الغضب مما حدث أن يخرج مساعد رئيس الجمهورية الدكتور عصام الحداد (وزير الخارجية الحقيقي) ببيان يتهم الأقباط بالمسؤولية عن أحداث الكاتدرائية؟! وهل من المعقول ألا يخرج الرئيس ليتحدث للمواطنين من مسلمين وأقباط، رافضاً هذا الانتهاك لمشيخة الأزهر وللكاتدرائية؟! وهل من المقبول أن يتحدث الرئيس للبابا تاوضروس بعد ساعات من الأحداث لكي يطمئنه أن الكاتدرائية مؤمنة، ثم لا يكون هناك تأمين لها إلا بعد أربع ساعات، ولا يذهب وزير الداخلية إلا بعد سبع ساعات؟!

البابا تاوضروس اعتكف مذكراً بما كان من صدام بين الرئيس السادات والبابا الراحل شنودة الثالث، والغضب القبطي تصاعد بعد بيان مساعد رئيس الجمهورية الذي يتهم الأقباط بالاعتداء على الكاتدرائية.

المجلس الملي الذي يمثل الوجه المدني للأقباط أصدر بياناً غير مسبوق حّمل رئيس الجمهورية المسؤولية عما حدث من اعتداء على الكاتدرائية، وأكد خطورة الوضع في ظل "غياب غير مسبوق في تاريخ مصر لدور القيادة السياسية في توحيد أبناء الشعب، والعمل المخلص على نزع فتيل الأزمات الطائفية".

على الجانب الآخر يتزايد الشحن الطائفي من تيارات متشددة من تيارات الإسلام السياسي، مستغلة عجز السلطة عن تقديم أي مبادرات للتعامل مع الموقف وتصورها أن الصراع الطائفي قد يشغل الناس عن التدهور الاقتصادي والغلاء والبطالة، وعن العصف بالحريات، ومحاولة هدم الدولة المدنية بالكامل، لتقوم دولة دينية تقودها أفكار الإرهاب والتعصب الديني.

ويحميها الحرس الثوري الذي بدأ البعض يدعون إليه علناً، ويعملون لإنشائه سراً. نجت مصر من لحظة انفجار رهيبة، لكن كل عوامل الانفجار ما زالت باقية.

وأولها حكم يتصور أنه قادر على هدم مؤسسات دولة بعراقة مصر ليقيم "دولته" التي يحلم بها، وسلطة تفشل في التعامل مع أزمة اقتصادية وسياسية شاملة، فتتصور أن الصراع الطائفي يمكن أن يقدم لها طوق النجاة، وجماعات تتصور أن المستقبل هو في استعادة وهم الماضي الجميل.