لا فائدة كبيرة ترجى من الكتابة، إلا إذا كان ما تكتبه سينشر أو ستتم قراءته، لكن عملية النشر ليست بهذه السهولة. ومثل أي شيء آخر في هذه الحياة، فإن المسألة تتعلق بالحصول على وسيلة اتصال بالأشخاص المناسبين، بقدر ما تتعلق بالكتابة الجيدة نفسها. وقد كتبت مجلداً من قصص قصيرة، وأرسل الناشر الذي أتعامل معه نسخاً عنها إلى كل صحيفة ومجلة في إنجلترا من أجل إجراء مراجعة للكتاب، لكن لم يؤت على ذكر الكتاب في أي مكان، فكيف بإجراء مراجعة له!

وتخوفي أن ما يحصل في هذه الحالة، هو مجرد النظر على عجل في جميع الكتب المرسلة للمراجعة، مع إيداع تلك المكتوبة من قبل شخص مجهول في سلة المهملات، رغم أنه يحدث أحياناً في المناسبات أن يكون هناك كتاب لشخص مجهول، يصدف أن مؤلفه على معرفة بهذا الشخص أو ذاك من الكتاب المعروفين، فيجري اتصالاً بالمجلة ويطلب منها معروفاً، أن تحاول إيجاد أحد ما لإجراء مراجعة للكتاب الذي مؤلفه كذا وكذا.. رغم أن المؤلف غير معروف على الإطلاق.

وعندما كنت شاباً يافعاً في العشرينات من عمري، كتبت عدة قصص قصيرة وبضع روايات، نشرتها تحت أسماء مستعارة من خلال مكتب وكيل أدبي صغير. ثم توجهت إلى مصر وواصلت بمفردي محاولة نشر القصص القصيرة التي كنت أكتبها في المناسبات، إلى جانب رواية حول سجين حرب ألماني يهرب من معسكر اعتقال بريطاني، وبطريقة ما يبني لنفسه حياة جديدة في مصر.

وأخيراً، وجدت اهتماماً من أحد الناشرين بالرواية، لكنه اقترح علي إجراء بعض التعديلات عليها. وعلى الأثر تم تبادل عدد من الرسائل بيننا، وامتدت القضية المتعلقة بإجراء تلك التعديلات الطفيفة لشهور، وفي النهاية تعبت من كتابه الرسائل وانتظار رد الناشر، وقررت الاستغناء عن كل المسألة، وتوقفت عن الإجابة على رسائله.

وأقنعت نفسي بالاكتفاء بكتابة صفحة أخبار محلية بانتظام، إلى مجلة القاهرة الأسبوعية التي تدعى "أبو الهول"، وقصة قصيرة في المناسبات. كنت على الأقل معروفاً في "أبو الهول"، كما كنت واثقاً أنهم سعيدون جداً بنشر أي شيء أكتبه لهم.

ثم كتبت قصة أو قصتين قصيرتين، أساساً حول العالم العربي، وقد شعرت أنها تستحق النشر في لندن. وصادف أنني أعرف صاحب شركة النشر التي تدعى "كوارتيت بوكس"، وقد صدر مجلدي في نهاية المطاف تحت عنوان "مصير سجين وقصص أخرى".

وقد دهشت عندما وجدت أن مجلدي من القصص القصيرة، تمت مراجعته في الواقع من قبل المجلة الموقرة "ليتيراري ريفيو". والشخص الذي راجع الكتاب كان يدعى فرانسيس كينغ، ولم يسبق أن سمعت به من قبل، وقد جلست لقراءة ما كتبه حول قصصي.

ولأعطي بعض المقتطفات القصيرة من مراجعة الكتاب: "لا أذكر أنني سمعت من قبل بمؤلف هذه المجموعة، لكنني من غير المرجح أن أنساه. إنه يعطي الانطباع بأنه كاتب في ارتياح تام مع موهبته الكبيرة ومع بيئة القصة القصيرة الشائكة.

في أكثر الأحيان، تبدو في البداية قصص جونسون ديفز كأنها قصص يمكن التنبؤ بها، وهي المكتوبة بأسلوب بسيط إنما حيوي وقوي دوماً، لكن نادراً ما يكون المقصود هو المتخيل نفسه. وآمل أن المؤلف بمثل هذه الموهبة الطبيعية في كتابة الرواية، سرعان ما سيصدر مجموعة من القصص الأخرى أو حتى على نحو أفضل.. رواية".

ولقدد سررت طبعاً أن أجد مثل هذه المراجعة الممتازة لكتابي، فيما يمكن أن تكون المجلة الأدبية الرائدة في إنجلترا. بالطبع في مصر أيضاً، حظيت مجموعة القصص بمراجعات عديدة جيدة، لا سيما إحداها من قبل صديقي جون رودنبيك، الذي كان لا يزال يعمل في الجامعة الأميركية في ذلك الحين.

ولاحقاً، قصدت التوصل إلى معرفة كاتب مراجعة الكتاب التي ظهرت في "ليتراري ريفيو"، ولقد التقيت به لأول مرة على الغداء الذي أعدته صديقتي الكاتبة حنان الشيخ، في شقتها قبالة السفارة الأميركية. وعلمت أن فرانسيس كينغ كان معروفاً جداً، ليس فقط في مجال مراجعاته للكتب، بل أيضاً ككاتب لأكثر من 30 رواية.

ولقد عاش حياة مليئة ومثيرة، وقضى سنوات عدة، على سبيل المثال، في اليابان. وقصد القاهرة أيضاً لرؤيتي، وقد عملت على الترفيه عنه في نادي "رويال أوفرسيز" في لندن، وصدمنا أنا وزوجتي عندما علمنا بوفاته المفاجئة.