كنت خلال الحرب العالمية الثانية في الأربعينات من القرن الماضي، أعمل في القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية، رغم أنني كنت أتلقى أجرا متواضعا وأعيش حياة بالغة الصعوبة في بلدة صغيرة لا تبعد كثيرا عن أكسفورد، أولا، ثم في مكاتب في شمالي لندن، فإن السنوات التي أمضيتها في العمل في هيئة الإذاعة البريطانية، كانت فائقة الأهمية في تعلمي اللغة العربية بكفاءة.
كان أبي كولونيلا في الجيش، وفي وقت لاحق من مسيرة الحرب تم إلحاقه بالبعثة العسكرية البريطانية لدى الجيش المصري، وكان يقوم بأعمال الاستشارة للجيش المصري في المسائل المتعلقة بالذخائر والتي كان خبيرا فيها. لم يكن أبي سعيدا بالوضع الذي كنت فيه، حيث كان يرى أنني رغم معرفتي الجيدة باللغة العربية، فقد تم إبقائي في إنجلترا بدلا من السماح لي بشغل وظيفة في القاهرة يمكن فيها استخدام لغتي العربية.
وعندما وضعت الحرب أوزارها، اضطرت هيئة الإذاعة البريطانية للسماح لي بالسعي إلى حياة جديدة في القاهرة، وتصادف أنني رأيت إعلانا يتضمن طلب شخص يتقن اللغة العربية، ليلتحق بالعمل في المجلس البريطاني في القاهرة. وفي ذلك الوقت لم تكن هناك رحلات جوية حقيقية تربط بين لندن والقاهرة، ولذا فقد أبحرت إلى مصر على متن سفينة، وكان هناك على السفينة نفسها الفنان عبد السلام علي نور، الذي كان قد درس الفن في إيطاليا وتزوج من امرأة إيطالية، وكان يتحدث الإيطالية بطلاقة بالطبع.
أتذكر أنه في تلك الرحلة البحرية الطويلة إلى مصر، كسب علي نور مبالغ لا بأس بها من خلال رسم لوحات سريعة لبعض الركاب البريطانيين الذين كانوا على متن السفينة.
ولدى وصولنا إلى السويس ركبنا القطار إلى القاهرة، حيث بادرت إلى الاتصال بالمجلس البريطاني، وتم إعطائي شقة صغيرة في قلب المدينة.
وعندئذ اكتشفت على وجه الدقة، ما الذي سيكون عليه عملي في المجلس البريطاني. فبينما كان كل المدرسون الآخرون مشغولين في الصباح بتدريس الإنجليزية في مرحلتها الأولية لفصول من المصريين، وجدت أنني سيتم تعييني للعمل في الفترة المسائية لتدريس الترجمة من العربية إلى الإنجليزية، لفصل من الرجال المصريين الذين كانوا يعلقون الأمل على مواصلة دراساتهم في إنجلترا، والذين كان يسمح لهم باعتبارهم مصريين لغتهم الأم العربية، بدخول امتحان يتألف من ترجمة بعض القطع المكتوبة باللغة العربية الفصحى إلى الإنجليزية.
وقد كان هذا الفصل الدراسي هو الذي تم تكليفي به، والذي كان يتعين علي أن أختار من أجله قطعا من الأدب العربي لترجمتها إلى الإنجليزية.
أدهشني أن أجد أن القاهرة عندما تقارن بلندن بعيد نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت فردوسا حقيقيا يتوافر فيه كل شيء. وأتذكر، على سبيل المثال، أنني كنت أنطلق لتناول الوجبات في مطاعم القاهرة ومقاهيها، وأنني وجدت أن بمقدوري أن أطلب قدر ما أشاء من البيض، بينما كانت في إنجلترا في ذلك الوقت قواعد صارمة حول مقادير الأطعمة التي يسمح لك بتناولها.
وهكذا فإن في إنجلترا التي غادرتها إلى مصر، كان المرء على سبيل المثال لا يسمح له إلا بتناول بيضة واحدة كل أسبوعين، ولذلك ابتهجت عندما اكتشفت أنني في القاهرة إذا ما أردت تناول 10 بيضات، فإنه ليس هناك ما هو أسهل من ذلك، وأن الأسعار كانت آنذاك منخفضة للغاية، وكذلك الرواتب.
أتذكر أنه في وقت لاحق، وعندما انتقلت للعمل محاضرا في جامعة فؤاد الأول، التي تعرف الآن باسم جامعة القاهرة، كنت أعيش على راتب قدره 42 جنيها شهريا، وكنت أعطي كذلك عددا من الدروس الخصوصية. وهكذا فإنني بدخل شهري إجماليه حوالي 50 جنيها، كان بمقدوري أن أدفع إيجار شقة في وسط المدينة، وأن أتردد على المطاعم اليونانية عندما أشعر بالرغبة في ذلك، كما لم أتردد قط في ركوب سيارة أجرة كلما أردت الذهاب إلى أي مكان أقصده.
قدر لأحد تلاميذي أن يصبح فيما بعد صديقا مقربا لي، وكان شابا حضر لأول مرة إلى الصف الدراسي مرتديا زي رجال البحرية المصرية، وانضم إلى الطلاب الذين كانوا قد قرروا مواصلة دراساتهم في جامعات بريطانية، وسمح لهم باعتبارهم من العرب، بدخول امتحان في الترجمة يقومون خلاله بترجمة بعض القطع من العربية إلى الإنجليزية.
واجهت بعض المتاعب مع هذا الشاب الذي أصبح صديقا لي لاحقا، فقد كان يعترض على الحقيقة المتمثلة في أن بعض القطع العربية التي اخترتها للترجمة، كانت في بعض الأحيان تتضمن آيات من الذكر الحكيم. وفي كل مرة نجد قطعة تتضمن آيات كريمة، كان يعترض مشيرا إلى أنه من غير المسموح ترجمة آيات القرآن الكريم إلى لغة أجنبية، وكنت أشير دوما إلى أنني لم أكن من اختار هذه القطع، ولكنها قطعة كانت قد ظهرت في ورقة امتحان سابق، وأنه على أي حال تم إنجاز العديد من الترجمات لمعاني القرآن الكريم ولم يعترض أحد على ذلك، وأنه ربما كانت أفضل ترجمة لمعاني القرآن الكريم، هي تلك التي قام بها الإنجليزي مرمودوك بكتل، الذي كان قد اعتنق الإسلام.
وجدت نفسي أقضي الكثير من الوقت في البحث بين مختارات مختلفة من القطع المكتوبة باللغة العربية، لكي أجد على الأقل قطعة لكل درس أقوم بتدريسه في المساء، وكنت غالبا ما أجد أنني كنت مشغولا للغاية، بحيث لا أرتب لاختيار قطع باللغة العربية تتم في وقت لاحق كتابتها بالآلة الكاتبة ثم تسحب على آلة مخصصة لذلك، للحصول على 20 أو 30 نسخة يتم توزيعها على الطلاب في الصف الدراسي المسائي.
وقد وصلت بالفعل إلى الحل الواضح لهذه المشكلة، وجمعت نسخا من القطع المناسبة للترجمة في كتاب، ثم قمت بعدئذ بطبع هذا الكتاب تحت عنوان "قطع للترجمة"، وطلبت من كل طالب في فصل مسائي أن يحصل على نسخة من هذا الكتاب.
ومن الغريب حقا أنني لم أرَ نسخة من هذا الكتاب منذ تلك الأيام التي تعود إلى عام 1947، وهو الوقت الذي قمت فيه بتجميع هذه المواد لإعداد الكتاب ومن ثم طبعه. ولكنني قبل أيام قليلة كنت ألقي نظرة على نسخ قديمة من بعض المجلات التي كنت أساهم بالكتابة فيها في تلك الأيام المبكرة، عندما صادفت نسخة من "قطع للترجمة".