جولة كيري ورسائل أوباما

بينما اختتم وزير الخارجية الأميركية جون كيري أول جولة شرق أوسطية له كوزير زار خلالها مصر والسعودية والإمارات والكويت وقطر وتركيا، حاملا عدة رسائل بعضها جديد يعكس متغيرات السياسة الأوبامية الجديدة في الولاية الرئاسية الثانية، خاصة فيما يتصل بالتوجه للحل السياسي للأزمة السورية والحل التفاوضي للأزمة النووية الإيرانية.

وبعضها تقليدي يؤكد فيها على ثوابت السياسة الأميركية القديمة خاصة تجاه ضمان أمن إسرائيل ومستقبل القضية الفلسطينية، ومسألة تثبيت ضمانات السلام المصري الإسرائيلي. يستعد الرئيس الأميركي باراك أوباما للقيام بأول جولة له في المنطقة بناء على نتائج جولة كيري، يزور خلالها إسرائيل والأراضي الفلسطينية وربما الأردن فقط، كما أعلن في واشنطن.

ولا يزور فيها مصر والسعودية كسوابق زيارات الرؤساء الأميركيين للمنطقة، وذلك لإبلاغ الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني بصورة مباشرة، ولإعلام دول المنطقة من هناك بصورة غير مباشرة عدة رسائل سياسية حملها خطابه الأول في بداية ولايته الثانية عن حالة الاتحاد.

أولها، رسالة قوية لطمأنة إسرائيل تؤكد ثبات الموقف الأميركي إلى جانب "شعب إسرائيل" بعد التشكيل الجديد لحكومة نتنياهو الثانية، في ضوء تداعيات المتغيرات العربية والإقليمية خاصة السورية والمصرية منها، ودعم كل ما من شأنه ضمان أمنها السياسي والنووي ضد أي تهديد عربي كان أو فارسي.

وثانيها، رسالة احتواء للسلطة الوطنية الفلسطينية في رام الله، بالإعلان عن مساعٍ أميركية جديدة لإجراءات تتعلق بتجميد التوسع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة خاصة في القدس، في الطريق لمشروع حل "للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي" يمكن بموجبه قيام دولة فلسطينية في نهاية هذا العام.

وكان لافتا أن جولة كيري اتسمت بنوع من الازدواجية بين السياسة السابقة واللاحقة لأميركا تجاه المنطقة عكستها تصريحاته المتعددة الدرجات بما يشبه المطبات الهوائية، والمتراوحة بين الحديث عن ضرورة الحلول السياسية لأزمات المنطقة خاصة السورية بالتعاون مع روسيا على أساس بيان جنيف ودعم مهمة الابراهيمي والحوار بين النظام والمعارضة وتحذيره من ذهاب السلاح الداعم للمعارضة إلى الأيدي الخطأ.

والحديث عن دعم المعارضة السورية المسلحة "المعتدلة" والإعلان عن دعم واشنطن لها بالمال وبالمعدات غير القتالية، وعن مواصلة الضغط على النظام السوري، وعن فقدانه لشرعيته.

وكان لافتا أيضا في تصريحاته بالقاهرة ثلاثة مواقف، الأول، تأكيده أن واشنطن لا تريد التدخل في الشؤون المصرية، بينما الواقع يشي بأنها متدخلة ومتداخلة في الشؤون المصرية بالفعل، بما دفع رموز المعارضة في "جبهة الانقاذ" وفي مقدمتهم حمدين صباحي رئيس التيار الشعبي برفض الدعوة للقاء مع كيري احتجاجا على سعي واشنطن لدفع المعارضة المصرية على تغيير مطالبها لدعم حكم الرئيس مرسي، ورفض المشاركة في الانتخابات والحوار مع الرئاسة.

والثاني، تأكيده أن زيارته للقاهرة ليست لدعم جماعة وإنما لنقل رسالة صداقة أميركية لكل المصريين، ولهذا كانت المرة الأولى التي لا يزور فيها وزير خارجية أميركي بعد الخامس والعشرين من يناير 2011 مقر جماعة الاخوان المسلمين والاجتماع مع مكتب إرشادها علناً كما كانت تفعل السيدة كلينتون، وإصراره على إجراء محادثة هاتفية مع الدكتور البرادعي رئيس حزب الدستور المعارض والاجتماع الثنائي مع عمرو موسى رئيس حزب المؤتمر المعارض.

والثالث، كان كاشفا بصورة واضحة على حقيقة ما تريده واشنطن من القاهرة، لقد وجه كيري الشكر للرئاسة المصرية على دورها في إبرام اتفاق التهدئة بين حركة حماس الفلسطينية وإسرائيل، وعلى تأكيدها الالتزام بمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، وعلى استضافتها ودعمها للائتلاف السوري المعارض في القاهرة، أي مطلوب دعم التهدئة بين العرب الفلسطينيين والمصريين والإسرائيليين.

وتشجيع اللاتهدئة بين العرب المصريين والعرب السوريين. لقد أعلن الرئيس أوباما عزمه على توجيه عدة رسائل للمنطقة العربية والإسلامية في بداية ولايته الثانية، خصوصا بعد قيامه بالانسحاب من العراق وبداية الانسحاب من أفغانستان بعد الخسائر الأخلاقية والبشرية والمادية لمغامرات بوش الفاشلة لاحتلال دولة إسلامية وأخرى عربية، والتي رأى فيها أوباما خطأ يلزم تصحيحه.

أهمها رفض فرض مسار التغيير في مصر مع الحرص على الانتقال الديمقراطي، استمرار الضغط على النظام السوري ودعم المعارضة المعتدلة، الوقوف بثبات لدعم إسرائيل لتحقيق أمنها، عدم ارسال الجنود الأميركان لاحتلال دول أخرى لمواجهة التهديد الارهابي ومواصلة التصدي للإرهابيين ومحاربتهم كلما كان ضروريا. مناهضة انتشار الأسلحة النووية ودعوة إيران للحل الدبلوماسي، ودعوة روسيا للتعاون معا لخفض ترساناتهما النووية.

ومع حرص أوباما بداية ولايته الأولى على زيارة استامبول والقاهرة لتوجيه رسائل انفتاح وصداقة أميركية للعالم الإسلامي وتبشير بالتغيير نحو العدل والسلام، لكنه تورط بمشاركة الناتو في ضرب ليبيا لدعم المعارضة المسلحة، وربما شعر بالخطأ بعد مقتل السفير الأميركي بالسلاح الأميركي.

ولهذا عدل سياسته برفض التدخل العسكري في سوريا، ورفض تسليح المعارضة المقاتلة المتطرفة مذهبيا، وإعلان جبهة "النصرة" السورية منظمة إرهابية. أخيرا، هل هناك مراجعة للسياسة الأميركية؟ نعم، وهل هناك تراجعات تكتيكية أو اضطرارية؟ نعم، هل تتغير الاستراتيجية الأميركية تجاه المنطقة والعالم؟ لا، وهل هناك اختراق متوقع لزيارة أوباما للمنطقة مع السياسة الأميركية بعد التعديل؟

لا أظن، بالتصريح المتغطرس لوزير الحرب الصهيوني أنه "لا جيش في المنطقة باستطاعته مواجهة جيش إسرائيل".. هكذا تظهر نتائج تفكيك الجيش العراقي بأمر أميركي، وتدمير الجيش الليبي بالصواريخ الأطلسية، واستنزاف الجيش السوري بالدعم الغربي باسم الربيع العربي. لكن يبقى الجيش المصري الذي علم الصهاينة درس العبور.

ربما استوعب أوباما الدروس من أخطاء سياسته المنحازة لإسرائيل بالفيتو الأوتوماتيكي على حساب فلسطين. وللتدخلات الأميركية في أزمات وانتفاضات المنطقة، بنشر الفوضى لإجهاض الانتفاضات الشعبية، وبدعم فصائل متطرفة لإسقاط الأنظمة المناهضة. فدعونا ننتظر لنرى، فلم يعد لدينا الكثير لنخسره بعد كل ما خسرناه في الربيع الأميركي.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات