سلاح الأقوياء (weapon of the strong) هو عنوان كتاب المفكر الأميركي المعاصر "نعوم تشومسكي"، الذي صدر مؤخراً ووجد رواجاً عالمياً، وفيه سلط الضوء على المساعي التي تبذلها بعض الدول، ولعله يعني الولايات المتحدة، لاستغلال وسائل الإعلام المختلفة، لإشاعة الشعور بالخوف بين أفراد المجتمع الأميركي والمجتمعات الأخرى، لإقناع الرأي العام بأجندة السياسة الخارجية، ولضمان زيادة الطلب على السلاح ثم التعتيم على الممارسات الخاطئة لسياسة إرهاب الدولة.

فالدولة العظمى تمارس القتل علنا في أرجاء عديدة من العالم، سواء في أفغانستان أو أميركا الجنوبية أو في اليمن والصومال، حيث أصبح الإرهاب يكافح بإرهاب آخر هو إرهاب الدولة، ولتحقيق هذا المطلب لكم أزهقت أرواح أعداد مهولة من سكان أبرياء في دول عديدة، خاصة في بلدان العالم العربي والإسلامي.

ويسرد الكاتب الكثير من الوقائع التي تؤكد أن الدعم غير المحدود لما اصطلح على تسميته "الربيع العربي"، لم يكن من أجل دفع شعوب المنطقة لبلوغ مقاصد الإصلاح والديمقراطية أو دفاعا عن حقوق الإنسان المنتهكة، ولكن كانت القوى الأوحد في العالم تهدف من وراء ذلك لضمان إشاعة "الفوضى الخلاقة" بين شعوب هذه الدول، فضلاً عن استثمار حالة الشد والجذب التي تجري في جمهورية مصر العربية واليمن، وحالة الإرباك وفوضى الشارع الليبي، لإرسال رسالة ضمنية تدعو القيادات العسكرية في دول الجوار لشراء مزيد من السلاح، بحجة مجابهة أي احتمالات مستقبلية..

وشراء السلاح يعني تحسين الوضع الاقتصادي المأزوم الولايات المتحدة الأميركية وفي كل الدول الغربية، كدول منتجة للسلاح، والتي تعاني من كساد اقتصادي منذ بداية الأزمة الاقتصادية العالمية التي انطلقت منها عام 2008، علما بأن عائدات تجارة السلاح قد تصل إلى 150 مليار دولار! ويرى الكاتب أن "القطب الأوحد" يرى أن الوقت مناسب لتشجيع خلخلة الأوضاع في دول المنطقة، لضمان أمن إسرائيل باعتبار إسرائيل كلب الحراسة المكلف والشريك الاستراتيجي الذي لا غنى عنه حاضراً ومستقبلاً.

ولهذا فإن تفكيك سوريا وانهيارها لن يكون المبرر لاستبدال النظام الدكتاتوري الشمولي القائم بنظام ديمقراطي، بل إن الغاية ذات الأهمية الكبرى هي إنهاء الحلف الإيراني السوري والاهم من ذلك اصابة حزب الله المتمترس في جنوب لبنان بالشلل التام، بل وتصفية نفوذه في الجنوب اللبناني نهائياً.. وهكذا تضمن إسرائيل مجالا للتمدد واغتصاب أراضٍ جديدة، وضمان بقاء مرتفعات الجولان تحت وصايتها.

يقع كتاب "نعوم تشومسكي" في 246 صفحة تولت طباعته دار "بلوتوبرس البريطانية"، وقد صدر مؤخراً ولا يتسع حيز المقال إلا لتسليط الضوء على بعض فصوله، لأن الكاتب اعتمد تدعيم وجهة نظره حول إرهاب الدولة، بالرجوع إلى أساتذة العلوم السياسية والخبراء العسكريين وبعض رجال الإعلام والسياسة، أمثال البروفيسور "ريتشارد جيكسن" الذي أكد أن الأبحاث العلمية لم تتطرق كثيرا لجرائم بشعة ارتكبت تحت غطاء مكافحة الإرهاب، مدللاً بما جرى في السجون العراقية إبان الاحتلال الأميركي للعراق (سجن أبو غريب مثلا).

وفي الفصل العاشر حاور المؤلف إسماعيل حسين زاده أستاذ الاقتصاد في جامعة "دريك في دي موين" في ولاية "إيوا" الأميركية، حول المجتمع العسكري الصناعي بعد نهاية الحرب الباردة، وكيف تم تطويع علم الاجتماع العسكري وعلم الاجتماع السياسي وعلم النفس العسكري، لدراسة ظاهرة هروب الجنود من مواقع القتال في أفغانستان، ومعرفة مسببات حالات الاكتئاب والإحباط وانعدام النوم الذي شاع بين المجندين، مما اضطرت معه الإدارة العسكرية لإرجاع المئات إلى بلادهم.

وكشف الكتاب أن مئات من الجنود والمجندين ما زالوا يتلقون العلاج والتأهيل الاجتماعي والنفسي داخل المستشفيات العسكرية، وهم في واقع الأمر ضحايا نار حروب أرادوا إخمادها فزادوها اشتعالاً ثم احترقوا بها!

وخصص الكاتب الفصل الحادي عشر لدور الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط، ومحاولات رسم خارطة "الشرق الأوسط الكبير"، ومساعي الإدارة الأميركية من أجل كسب جانب الأصوليين الإسلاميين وتجنيدهم، باعتبارهم أفضل رهان وضمان ممكن للمستقبل! وفي الفصل الثاني عشر يتم الحوار مع "نورمان فلينكستاين"، وهو بروفيسور أميركي ذو أصول يهودية، له دراية بالتكوين الديمغرافي لفلسطين، وله مواقف داعمة للقضية الفلسطينية وكتابات حول جوهر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ويرى أن نكسة 1967 كانت مرحلة مفصلية في تثبيت أركان العلاقة الأميركية الإسرائيلية، "لأنها أنهت طموح جمال عبدالناصر" للترويج للقومية العربية ومعاداته للغرب بتحالفه مع الكتلة الاشتراكية التي وقفت لمناصرته، وبهزيمة ناصر النكراء تم فتح ملف الشرق الأوسط ليقرأ بطريقة مختلفة وبرؤية جديدة وبغرض أساسي، وهو أولاً حماية أمن إسرائيل.

وأن الولايات المتحدة الأميركية عليها أن تمضي إلى ما لا نهاية في استخدام حق النقض (الفيتو)، حتى لا تقع إسرائيل في قبضة المساءلة الجنائية الدولية بسبب جرائم الحرب والإبادة الجماعية التي ارتكبتها، وحتى لا تتعرض لأي ضغوط دولية أخرى، ومن ثم فإن وجود قوات عسكرية في هذه المنطقة المهمة ولأطول مدة ممكنة، كما أشار "هنري كيسنجر" مهندس السياسة الخارجية الأميركية ذو الميول الصهيونية، هو أولاً وقبل كل شيء: لضمان تأمين تدفق النفط العربي.

والسبب الثاني فرض السيطرة، بل والهيمنة على العالم العربي عبر إشاعة "فوبيا" عدوان إيراني مرتقب على الدول النفطية، الأمر الذي يبرر إنشاء قواعد عسكرية ثابتة في تلك الدول.. فضلاً عن الإبقاء على أسطول بحري يجوب الممر المائي، لضمان انسياب سير ناقلات النفط الخليجي.

في تقديري أن الكتاب جدير بأن يقرأ.