الملح وتاريخه الإنساني

نعتبر جميعنا الملح في هذه الأيام شيئا مسلما به، ولكن الأمر لم يكن كذلك على الدوام. فعلى امتداد قرون عديدة كان الملح سلعة نادرة وقيمة، وسأنطلق في تناوله من قصة استمدت من وسط آسيا في القرون الخالية.

كان هناك يوماً ملكً له ثلاث بنات، وقد اتخذ قرارا بترك مملكته للابنة التي تقدم له الهدية الأكثر قيمة، ومن هنا فقد بادرت ابنتاه الكبريان ببذل ما في وسعهما لكي يحصل والدهما على أثمن الجواهر وأقيم الأعمال الفنية.

وعندما جاء دور الابنة الصغرى لتقدم هديتها، كان كل ما قدمته له هو ملء كأس من الملح. وقد تضايق الملك كثيرا مما اعتبره إهانة، وأقسم على أنه سيقوم بإعدامها ما لم تتمكن من تبرير هديتها البائسة تلك، وتوضح له سبب اعتبارها ذات قيمة كبيرة.

وبناء على هذا قامت الابنة الصغرى بإعداد مائدة تقام في القصر، ودعت إليها كل رجال المملكة البارزين. ورغم الأطعمة الرائعة التي أعدت خصيصا، فإن الضيوف وجدوا أنفسهم وقد فقدوا الشهية للطعام تماما، وتعين رفع الجانب الأعظم من الطعام دون أن تمسه يد.

والتفت الملك إلى ابنته حيث عجز عن فهم السر في أن إحدى مآدبه الرائعة قد منيت بالفشل، فأوضحت له الابنة أنها أمرت بإعداد جميع الأطعمة بلا ملح على الإطلاق. تقول الأسطورة إن الملك قد تأثر كثيرا بحكمة ابنته وبالقيمة الكبيرة لهديتها الرائعة، بحيث إنه قرر أن يترك ملكه لها عندما تغيب شمس عمره.

إن هذه القصة إلى جانب امتلاكها الجاذبية التي تمثلها مثل هذه الأساطير، تصور أيضا الحقيقة التي كان العالم القديم يدركها حق الإدراك، وهي قيمة سلعة بسيطة تنتمي للحياة اليومية كالملح. واليوم أصبح الملح جزءا رخيصا من الطعام اليومي للإنسان المتحضر، بحيث إن من الصعب تصور الدور المهم الذي كان يلعبه في الماضي.

وعلى امتداد الطرق الرئيسية للتجارة في الأزمنة القديمة، كان الملح على الدوام إحدى السلع التي تحظى بأكبر قدر من التقدير، وكان أحد أقدم الطرق في إيطاليا يسمى "فيا سالاريا"، أو "طريق الملح"، لأنه كان يستخدم لنقل هذه السلعة الثمينة، وقد وصف المؤرخ الإغريقي هيرودوت طريق القوافل الذي كان يربط واحات الملح في الصحراء الليبية، ولعب ملح بالميرا دورا مهما في التجارة بين الموانئ السورية وبلاد الخليج، بينما يأتي المسعودي في كتابه على ذكر ملح تدمر. وفي سمتالي فى الهند، كان يجري العمل في مناجم الملح قبل وقت طويل من عصر الإسكندر الأكبر.

ويمكن إدراك الأهمية الاقتصادية الفائقة التي تمتع بها الملح في السابق، من خلال الحقيقة القائلة إنه كان منذ أقدم العصور مصدرا أثيرا للدخل، سواء من خلال فرض ضرائب جسيمة عليه، أو من خلال احتكار الحكومة لبيعه.

ففي فرنسا، مثلا، كانت ضريبة الملح المعروفة باسم "جابيل" قد فرضت لأول مرة في وقت يعود لعام 1286. ويذكر الرحالة ماركو بولو الذي قام برحلاته الشهيرة في نهاية القرن 13 الميلادي، أن الملح كان في تلك الأيام تفرض عليه ضريبة في الصين ويدر عوائد هائلة.

وكان الملح في الأزمنة القديمة يستخدم في بعض الأحيان كشكل من أشكال العملة، خاصة في البلاد الداخلية التي يحظى فيها بقيمة نابعة من قدرته، مثل الحبشة وبعض أجزاء إفريقيا الوسطى.

ونجد مجددا أن الرحالة ماركو بولو لديه بعض التعليقات المثيرة للاهتمام، حول استخدام الملح كعملة في التبت. يبدو أن أبناء التبت استخدموا القطع الذهبية مقابل المبالغ الطائلة، ولكن مقابل المبالغ الأصغر وفي ضوء عدم وجود عملة أخرى، فقد استعملوا الملح، وكانوا يحصلون على ملحهم عن طريق غلي الماء المالح في أوان إلى أن يغدو الملح مترسبا على شكل أكوام، وكانت هذه بدورها توضع على النار إلى أن تتصلب وتدمغ بخاتم الخان العظيم.

وهناك مثال آخر لاستخدام الملح كنقود، وهو العلاوة الخاصة التي كانت تمنح للضباط والجنود في الجيش الروماني. وفي وقت لاحق كان مبلغ خاص من المال يضاف إلى راتبهم المعتاد بغرض أداء متطلباتهم من الملح، ومن هنا جاءت الكلمة الإنجليزية "salary" والكلمة الفرنسية "salaire".

وبالإضافة إلى استخدام الملح في الطعام، فإنه يستخدم أيضا كمادة حافظة للحوم، وفي معالجة السمك والجلود، وفي صناعات الزجاج والصابون، وأيضا كمخصب، وقاتلا للحشرات وطاردا للنمل.

تمتع الملح منذ أقدم العصور بمغزى رمزي عظيم بالنسبة للإنسان، وكان يستخدم في أقدم العصور كقرابين للآلهة، وشأن الخبز كان ينظر إليه باعتباره رمزا للكرم، ومن هنا تأتي المقولة المصرية الشهيرة "عيش وملح". وتأتي المقولة الفارسية الشهيرة "حرام نمق" (كلمة نمق تعني الملح)، وهذه العبارة تستخدم للإشارة إلى شخص ناكر للجميل، شخص فصم العروة التي توجد تلقائيا من خلال اقتسام الملح في وجبة الطعام.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات