ربما كان قرار القضاء المصري بإيقاف الانتخابات البرلمانية التي كان مقرراً أن يفتح باب الترشيح لها بالأمس لتجري في22 أبريل القادم أولى مراحلها، هو تأكيد على صحة موقف المعارضة المصرية التي قاطعت الانتخابات وأعلنت بطلان القانون الخاص بها وطالبت بقانون آخر وحكومة أخرى وضمانات عديدة (مفتقدها حتى الآن) لنزاهة الانتخابات .
لكن قرار القضاء المصري أيضاً يوفر فرصة قد لا تتكرر للحكم في مصر لكي يتراجع عن سياساته الفاشلة التي وضعت مصر على حافة الانهيار، والتي تهدد بالانجرار إلى حرب أهلية كان أكثر المتشائمين لا يتصور إمكانية الحديث عنها (مجرد الحديث) في بلد عاش موحداً على مدى التاريخ، واحتفظ بوحدته الوطنية أمام كل التحديات، وصمدت الدولة فيه لتصبح هي الأقدم في العالم كله على الإطلاق!!
لا أحد في مصر كان يرى أي معقولية في إصرار حكم الإخوان على المضي في طريق اجراء الانتخابات البرلمانية وسط هذه الظروف البائسة التي تمر بها البلاد، وفي غياب أي توافق وطني، وحكم لا يساعد في تقديم الحلول، وصدامات تتصاعد، والدخول في موجات من العداء مع الجماهير دفاعاً عن حكم لا يؤمنون به ولا يثقون في قدراته علي تحمل المسؤولية في هذه الظروف الصعبة.
ولم يكن متصوراً كيف ستمضي عملية الانتخابات في ظل مقاطعة شاملة من قوى المعارضة التي فشلت كل الجهود لإحداث الانقسام بينها أو لدفعها إلى التراجع من موقفها، بما فيها جهود وزير الخارجية الأميركية الذي رفضت قيادات جبهة الإنقاذ الأساسية مقابلته عند زيارته للقاهرة الأسبوع الماضي، وواجه حملة من الاعتراضات على سياسة أميركا الداعمة للإخوان المسلمين من كافة القوى المدنية والأحزاب السياسية التي التقاها.
وكان غريباً أن وزير الخارجية الدولة الأعظم التي لا تتوقف عن الحديث عن قيم الحرية وحقوق الإنسان، لم ير أحداث العنف ولا دماء الضحايا التي سقطت أثناء زيارته في مدن عديدة مثل بورسعيد المنصورة وغيرها. واستمر يطلب من المعارضة أن تشارك في الانتخابات التي يعرف الجميع أن الحكومة تتخذ كل الإجراءات لتزويرها !!
وكان مثيراً أن موقف الرفض للمشاركة في الانتخابات لم يكن وقفاً على شباب الثوار كما كان البعض يعتقد، بل امتد لكل الفئات، من المرأة إلى الأقباط إلى القوى السياسية المدنية بكل مكوناتها، بل وحتى النواب الذين كانوا يمثلون الحزب الوطني المنحل في البرلمان السابق والذين تتمتع عائلاتهم بنفوذ قوي في دوائرهم الريفية خاصة في الصعيد ، أعلنوا- بعد حصولهم على حكم قضائي بأحقيتهم في الترشيح أنهم أيضاً سيقاطعون الانتخابات.
ورغم أن الأحزاب الإسلامية أعلنت أنها ستخوض الانتخابات، إلا أن المنافس الرئيسي للإخوان بين هذه وهو "حزب النور" مازال مصراً على طلب ضمانات منها تغيير الحكومة الذي يرفضه الإخوان والرئيس. ورغم أن الحزب أعلن أنه سيراجع موقفه إذا لم تتحقق الضمانات.
فإن المؤكد أنه سيخوض الانتخابات في كل الأحوال. خاصة بعد أن أحس الحزب بأن موقفه الانتخابي أصبح أكثر قوة في الفترة الأخيرة بعد أن خرج من أزمته التي اتهم "الاخوان" بأنهم وراءها لتقسيم الحزب، ورغم جهود الإسلاميين لتقريب وجهات النظر بين الطرفين، فإن الصراع يتصاعد ووصل لحد طلب قيادات "النور" محاكمة الرئيس مرسي على جرائم قتل الثوار التي وقعت في عهده باعتباره مسؤولاً عنها سياسياً، كما حدث مع الرئيس السابق مبارك !!
رغم هذا كله، كان "الإخوان" يدفعون نحو اجراء الانتخابات بسرعة لأسباب عديدة، منها الخوف من أن يسوء الموقف الاقتصادي أكثر في الشهور القادمة، والأمل في أن إجراء الانتخابات سيساعد في الحصول علي قرض صندوق النقد، والتأكد من أن إمساكهم بمفاصل الدولة سيساعدهم علي الفوز في الانتخابات، خاصة مع مقاطعة المعارضة.
لكن هذه الحسابات كانت لا تدرك عمق التغييرات على الأرض . فالغضب الشعبي يتصاعد والأحوال الاقتصادية تتدهور، وقرض صندوق النقد غير مضمون وحتى لو وصل فإنه لن يحدث فرقاً كبيراً في ظل الاوضاع الاقتصادية السيئة والادارة السياسية والاقتصادية الأسوأ . والموقف الأميركي ــ وإن كان مازال داعماً للاخوان ــ فإن يتحسب لمخاطر هذا الدعم.
ويدرك أن ما لمسه وزير الخارجية الأميركي كيري في زيارته للقاهرة من تصاعد الغضب الشعبي على أميركا نذير خطر، وأن ما يحدث في بورسعيد وباقي المدن المصرية تجاوز الاحتجاج وفتح أبواب العصيان المدني!!
كان الموقف كله يسير نحو تصعيد الصدام . وكان العصيان المدني ينتقل من مدينة لأخرى، وكان الحكم لا يجد إلا العنف وسيلة للتعامل مع الموقف . وكان الخلاف بين الاخوان والرئيس من جانب والجيش من جانب آخر يظهر للعيان. وكانت الدعوات تتصاعد بالطلب من الجيش إنقاذ الموقف. وكان الجيش يدرك المخاطر ويرفض التورط، ولكنه يعلن أنه لن يتأخر عن العمل إذا تعرض أمن الوطن للخطر، أو انهارت الأوضاع وافتقد الشعب الأمن والأمان.
في ظل هذه الظروف جاء الحكم بإيقاف الانتخابات ليعطي فرصة لالتقاط الأنفاس، ويبطئ بعض الشيء من سرعة القطارات المتجهة نحو الاصطدام . لكن السؤال هنا هو: هل هناك استعداد لدى الحكم للاعتراف بالفشل، والتوقف عن نهج الاستحواذ على السلطة، والعودة للعمل المشترك مع القوى الوطنية لتحقيق أهداف الثورة، وللخروج بمصر من الأزمة العاصفة التي تمر بها ؟!
لا أميل للرهان على ذلك. عامان بعد الثورة وتاريخ طويل قبلها يؤكد أن طريق "الاخوان" بلا رجعة. وأن فرصة التقاط الأنفاس تجهضها خطة التقاط غاز القنابل والرصاصات التي تعرف كيف تختار صدور الثوار.
إيقاف الانتخابات لا يوقف الصراع. يفتح باباً للوصول إلى تفاهمات تنتقد الوضع وتمنع الانفجار. لكن ماذا إذا كان البعض يرى أن إحراق الوطن هو وسيلة المثلى لكي "تتمكن" من حكمه ؟! إسقاط هذا المنطق (أو اللامنطق ) هو الطريق الوحيد لإنقاذ مصر . انقاذ مصر هو الطريق الأساسي لإنقاذ الوطن العربي .. أو الذي يكافح الآن لكي يظل .. عربياً!!