حقائق قرآنية وشواهد أوروبية

الثقافة الأوروبية التقليدية تجاه القرآن الكريم، تراوحت بين النظرة الميتافيزيقية الموصولة بالحكم المسبق على النص القرآني، استناداً إلى تقييم خاص للسيرة النبوية، وتلك النظرة المجيرة على الميتافيزيقا، القادمة من أصل العهدين القديم والجديد من الكتاب المقدس لليهودية والمسيحية.

وفي فترة لاحقة، ومع ازدهار البرهان المادي الجبري عطفاً على الفلسفة المادية الأوروبية، أصبح الخيار الأوفر في استقراء وترجمة القرآن الكريم، محكوماً بالأبستمولوجيا أو «العلم العقلي المحض»، وهو أمر يتعارض جوهرياً مع «الهدي القرآني»، وطبيعة النص الإلهي المفتوح على آيات الخلق والكون.

ومبلغ علمي أن جهود المترجمين والمفسرين الأوروبيين للنص القرآني، استمرت على مدى قرون بعيدة، غير أنني شخصياً، ولمعرفتي العالمة باللغة الرومانية، وجدت ذات العموميات التي يمكن أن تسري على بقية اللغات الأوروبية، حاضرة أيضاً، وبنفس القدر في الثقافة القرآنية، والترجمات القرآنية إلى اللغة الرومانية.

والمعروف تاريخياً، أن المذهبين الأساسيين في الخيارات المسيحية الأوروبية، هما الأرثوذكسي والكاثوليكي، واللذين توزعا في عموم أوروبا على أسس قومية أحياناً، وفوق قومية أحايين أخرى. فإذا كان البولنديون «السلافيون»، أقرب إلى الكاثوليكية الكنسية، فإن الرومان «اللاتينيين» أقرب إلى الأرثوذوكسية الكنسية، ما كان له أثر مؤكد في النظرة الدينية للنص القرآني.

فالكنيسة الأرثوذكسية أقرب إلى الكنائس الشرقية، من حيث الدقة في التعامل الظاهري مع نصوص الديانة المسيحية، والإقلال من مظاهر الزينة والبهرجة الكنسية، وعدم التوسل الدائم للوسطاء بين الحق والخلق، فيما الكاثوليكية أقرب إلى التنوع، ومنح مكانة استثنائية للرهبان والقساوسة.

ولقد كان الصراع التاريخي بين الأرثوذوكس والكاثوليك، موازياً لذات الصراع المرير الذي كان بين الكاثوليك والبروتستانت، ولم يكن ذلك الصراع دنيوياً فحسب، بل كان أيضاً لاهوتياً كنسياً، يتعلق بالمفاهيم والنظرة لأمور الفكر والديانات.

وكان من الطبيعي، والأمر كذلك، أن ينال الإسلام اهتماماً واسعاً من تلك الفرق المسيحية، سواء في قراءة تاريخه أو في ترجمة النص القرآني.

الحالة الأندلسية العربية الإسلامية، شكّلت حاضناً مثالياً كبيراً لتعايش المسلمين مع اليهود والبروتستانت، ومع وصول الإسبان الكاثوليك وسقوط الأندلس، بدأت مرحلة من المظالم في حق المسلمين واليهود والبروتستانت، مما دُوِّن بشكل واسع في التاريخ المعروف.

ومن غرائب العصور وعجائب الدهور، أن يعيد التاريخ التحالفي اليهودي البروتستانتي إنتاج نفسه، على حساب العرب والمسلمين، دونما استذكار لما كان عليه الإسلام من سماحة وحسن معاملة لليهود والبروتستانت أثناء مجد الدولة العربية الأندلسية!

وعودة إلى ما بدأنا به الحديث، فإن الترجمات القرآنية باللغات غير العربية، تستحق وقفة أشمل، وسنأخذ مثالين باللغة الرومانية، عارضين لتجربة محددة في هذا الجانب.. مُلاحظين ثنائية الميتافيزيقا والبرهان، بوصفهما الضابط التاريخي لتلك الترجمات، وسنبحث ضمناً عن حالة مُفارقة اعتمدت الأبستمولوجيا، لغرض التمهيد الراسخ لترجمة أبعد ما تكون عن البُعدين الميتافيزيقي والبرهاني، من حيث إنها تنوع على «منزلة بين المنزلتين»، فلا تأخذ بالبرهان الصرف، ولا تغفل الميتافيزيقا.

المثل الأول، يتعلق بالأمير الروماني «دوميتري كانتامير»، الذي انطلق في ترجمته الأولى وغير المسبوقة رومانياً، من الفكر المسيحي الكنسي، محاولاً تعميم مفهوم مغاير جذرياً لمفهوم المسمى الأساسي للإسلام، فبدلاً من «الدين الإسلامي»، استخدم كانتامير المصطلح الأيديولوجي «الديانة المحمدية»، نسبة إلى نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، وكأن الإسلام ابتداع من عند رسول المسلمين، وليس أمراً إلهياً مشفوعاً بنص نزل به الوحي! كان الأمير كانتامير مهجوساً بالثقافة العربية الإسلامية، موصوفاً بالتفكّر والتدبُّر، غير أنه لم يُفلح في الانسلاخ من الأيديولوجيا، عندما قام بأول ترجمة للقرآن الكريم إلى اللغة الرومانية، وكانت تلك الترجمة انتقائية، تفسيرية، ومجاورة للنظرات التي لا تثير حفيظة ورفض الكهنوت الكنسي المسيحي.

المثل الثاني، يُسجَّل للمستشرق الروماني «جورجي غريغوري»، بوصفه أول من قام بترجمة كاملة للقرآن الكريم إلى اللغة الرومانية، حيث كانت تلك الترجمة مختلفة تماماً عن مألوف الترجمات الأوروبية والرومانية من جهة، كما أنها جاءت مسترشدة بالأبستمولوجيا والبرهان معاً، دونما انجراف إلى التفسير السطحي للنص القرآني، كما رأينا في الكثير من شواهد الترجمات.

لجأ «غريغوري»، بداية، إلى دراسة اللغة العربية في جامعة بوخارست، ثم بدأ في قراءة القرآن الكريم عبر الترجمات التفسيرية الفرنسية والإنجليزية، ثم واصل مشوار البحث عن طريق رسالة الدكتوراة التي كتبها، وكانت بعنوان لافت «إشكاليات ترجمة القرآن إلى اللغة الرومانية».

وبالتوازي مع كل ذلك، كان عليه أن يقرأ تفسير القرآن الكريم من منابعه العربية الإسلامية، فقرأ الطبري والزمخشري والبيضاوي وآخرين، وكان يضع نصب عينيه الانفلات من الترجمات التفسيرية، وعدم الوقوع في فخ الميتافيزيقا المسيحية التاريخية، وعدم الاستسلام للمنهج العلمي الأبستمولوجي الصرف.

تلك المسيرة الطويلة من البحث وتقليب الأوراق والذائقة خلال 15 عاماً، أفضت به إلى إطلاق نسخته الأولى غير المسبوقة في ترجمة القرآن الكريم كاملاً إلى اللغة الرومانية، موجهاً خطابه لأكثر من عشرين مليون روماني مقيمين في بلادهم، وبضعة ملايين آخرين منتشرين في العالم الواسع. ومن المحزن الإشارة هنا إلى أن «غريغوري» اضطر إلى إطلاق نسخته الأولى للترجمة بطباعة شعبية متواضعة، ولم يجد حتى اللحظة من يرتقي بتلك النسخة إلى مستوى الإصدار الطباعي الذي يليق بالقرآن الكريم.

تعتبر ترجمة «غريغوري» للقرآن الكريم في نسخته الرومانية، حالة مفارقة تماماً لكل الترجمات الأوروبية، فقد سعى بكل دأب لاستبدال التفسير الشكلاني، بالتماهي الإيجابي مع النص، ذوقاً واستسباراً، ما جعله يفرد قاموساً موازياً للمصطلحات القرآنية، مدركاً أن من المستحيل ترجمة بعض المفاهيم القرآنية في كلمة واحدة موازية، فكان عليه أن يكتب تلك الكلمات باللغة العربية في المتن، وأن يفرد لها هامشاً تفسيرياً واسعاً، يمكن القارئ الروماني من الاقتراب من مغزى ودلالة تلك المفردات والمفاهيم القرآنية.

ولمزيد من توكيد هذه الحقيقة الأزلية المرتبطة بلغة الوحي والنزول، كتب «غريغوري» نص الفاتحة باللغة العربية في غلاف الترجمة، في إشارة دالة إلى المغزى العميق لضرورة معرفة القرآن واستكناه أغواره عبر لغة الوحي، وفي ذلك اعتراف ضمني، بأن أي ترجمة للقرآن الكريم لا يمكنها أن ترتقي إلى مستوى النص القرآني في مبناه ومعناه.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات