مصر ترفض تحالف أميركا مع الإخوان

منذ اندلاع الثورة في مصر قبل عامين، كانت لنا وجهة نظر ثابتة، وهي أن أياً من أهداف الثورة في الديمقراطية والعدل الاجتماعي وكرامة الإنسان، لن يتحقق إلا إذا تحقق قبلها شرط أساسي: وهو استعادة الاستقلال الوطني بمعناه الواسع، الذي يعيد لمصر قرارها المستقل ودورها الطبيعي كقوة مركزية في المنطقة، والذي ينهي سنوات من التبعية أفقدت مصر الكثير.

وأفقدت العالم العربي أكثر حين افتقد مصر صاحبة الدور والقرار. وحين أنظر اليوم بعد عامين من الثورة إلى المشهد المتراجع في مصر، أجد أن أحد المفاتيح الأساسية لهذا التراجع في هذه النقطة بالذات: الاستقلال الوطني الحقيقي، الذي لا يمكن أن يكون هناك تقدم ولا نهوض إلا في ظله.

في الأسبوع الماضي، كانت السفيرة الأميركية في القاهرة تقول إنها تواصل مشاوراتها مع كافة الأطراف في الحكم والمعارضة، من أجل تحقيق التوافق! يا أهلاً بالمندوب السامي الذي كان بريطانياً في سنوات الاحتلال، ويعود الآن أميركياً بعد ثورة كان يفترض أن تنهي أي تبعية.

وأن تؤكد على استقلال الإرادة المصرية، فإذا بالثورة تختطف لتقع الدولة في قبضة جماعة الإخوان، وإذا بالجماعة تنسى كل كلامها السابق عن "الشيطان الأميركي!"، وإذا بها تقدم لهذا "الشيطان" ما لم يحصل عليه من النظام السابق! وإذا بالأميركان يتحولون إلى "الحليف الاستراتيجي" للإخوان، بعد أن كانوا الداعم الأساسي الذي أوصلهم للحكم، ومكنهم من اختطاف الثورة.

وعلى مدى الشهور الماضية كنا نطالب القوى الوطنية الديمقراطية في مصر، باتخاذ موقف حاسم من هذه القضية. فليس من المقبول أن تتصرف أميركا بعد الثورة وكأنها صاحبة القرار في مصر، وليس من المقبول أن يستمر الدعم الأميركي لحكم الإخوان بهذه الصورة الفجة، دون رد فعل من القوى الوطنية.

وقد صبرت القوى الوطنية كثيراً، وكان هناك العديد من قيادات جبهة الإنقاذ وغيرهم من قوى المعارضة، الذين يراهنون على أن الموقف الأميركي الداعم للإخوان ستتم مراجعته بناء على الحقائق التي تشهدها الساحة المصرية، لكن الصدمات أخذت تتوالى..

فمع توالي استخدام الرئيس مرسي وجماعة الإخوان لكل أدوات القهر وانتهاكات حقوق الإنسان والعدوان على القانون ومصادرة الحريات المعلنة على الصحافة وحرية الرأي.. ظل التأييد الأميركي ثابتاً، مع محاولات للتجميل بالدعوة للتوافق! ومع استبعاد كل القوى والانفراد بعمل دستور معادٍ للحريات ولحقوق المرأة ولحماية الفقراء.. ظل التأييد الأميركي كما هو!

ثم مع الإعلان غير الدستوري الذي جعل من الرئيس مرسي ديكتاتوراً لا يساءل، ظلت واشنطن تضغط على المعارضة، وليس على حليفها الجديد في الحكم! وحتى عندما كشف الحكم عن أقبح وجه يمكن تخيله بعد الثورة، وسقط سبعون شهيداً في يومين كهدية من الحكم بمناسبة مرور عامين على الثورة(!!)، وشهد العالم كله جرائم السحل واختطاف الثوار وقتلهم، والتحرش بالنساء في ميادين التحرير وانتهاك الأعراض.. لم يتأثر تحالف واشنطن مع الحكم الفاشي!

لكن يبدو أن واشنطن ـ كالعادة - لا تحسن قراءة الشعوب، أو أنها لا تضعها في الحسبان، ولو ادعت غير ذلك!.. وها هي النتائج تقول إن ما كانت تخشاه أميركا في سبيله للتحقق، وأنها سوف تجد نفسها في مواجهة شعب مصر وقواه الحية، بعد أن انكشفت كل الحقائق، وأصبح واضحاً أن رهان أميركا الذي استقر على التحالف مع "الإخوان" هو الرهان النهائي، وأن الهدف هو استمرار التبعية، وأن التحالف غير المقدس هو على حساب مصر، وخوفاً من أن تعود قوة مؤثرة تقود النضال الحقيقي من أجل مصلحة مصر والعرب.

في الأسبوع الأخير كان الصراع في مصر يتصاعد بدرجة خطيرة، وكان الموقف الأميركي أيضا يكشف عن حقائق لا يمكن أن تمر بسهولة، حتى وإن جاء وزير الخارجية الأميركي الجديد جون كيري لمحاولة تطويق آثارها، وتلمس الطريق للمحافظة على مصالح بلاده في خضم أحداث تنبئ بالأسوأ.

مع تساقط سبعين شهيداً في يومين، ومع اتجاه الحكم المتصاعد لاستخدام العنف ضد المعارضة، كان الكشف عن الصفقة الجديدة لتوريد قنابل الغاز التي أصبحت سلاحاً أساسياً في مواجهة التظاهرات السلمية. الصفقة الجديدة بأكثر من 20 مليون جنيه.

والشبهات تتزايد مع حرص الأميركان على إزالة اسم المصنع وبلد المنشأ من على القنابل. وكل ما دافعت به واشنطن عن نفسها، أن القنابل لم يتم تسديد ثمنها من أموال المعونة، وأن سوء استخدامها هو مسؤولية من يستخدمها! وتصاعد الصراع بين الحكم الإخواني وبين قيادة جيش مصر، وأصبح واضحاً أن الإخوان يريدون إقصاء القيادة الحالية والسيطرة على الجيش..

والمعركة لم تبدأ اليوم، بل هي مستمرة منذ صعود الإخوان. وفي هذه المرحلة من الصراع، كان لافتاً أنها بدأت من مرشد الإخوان نفسه، في رسالته الشهيرة التي يحرض فيها الجيش على قيادته، لكن الأمر الآن يتخذ بعداً جديداً مع تصاعد التأييد الشعبي للجيش لإسقاط الحكم الفاشي الجديد.

ومن الواضح أن الإخوان لا يقدمون على هذا الصدام إلا بتأييد أميركي أكيد. هكذا كان الأمر حين تمت الاطاحة بالمشير طنطاوي والفريق عنان، ويومها قالت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون، التي كانت في زيارة لمصر قبل أيام، إنها كانت على علم بهذه الخطوة!

لكن الأمور تغيرت الآن، والجيش رد على مخطط الإخوان الجديد بأن هذا "انتحار سياسي"، ورئيس الأركان الفريق صبحي، صرح في أبو ظبي بأن الجيش سيتدخل لمنع انهيار الأوضاع خلال ثانية واحدة إذا طلبه الشعب.. وهو تصريح هام، لأن أحد رهانات الإخوان في فترة سابقة، كان الوقيعة بين رئيس الأركان وقائد الجيش وزير الدفاع الفريق السيسي!

لكن الأخطر هو أن تصرفات أميركا قد حسمت الأمر بالنسبة للقوى الوطنية الديمقراطية في مصر، والتي أعلنت مقاطعتها للانتخابات البرلمانية القادمة التي اتخذ الرئيس مرسي وحكومته الإخوانية كل التدابير اللازمة لتزويرها!

لقد فوجئت هذه القوى الوطنية بتصريحات للخارجية الأميركية، تسبق الزيارة الأولى لوزير الخارجية كيري للقاهرة التي بدأت أمس، تدعوها لإعادة النظر في قرار المقاطعة، وتطلب منها المشاركة في الانتخابات، لكي تكتسب هذه الانتخابات الشرعية المطلوبة للحليف الجديد للأميركان في مصر.. وربما المنطقة كلها!

وقد ردت "جبهة الانقاذ" والقوى الوطنية الديمقراطية كلها، على هذا البيان السافر في انحيازه لحكم الفاشية الإخوانية. رفض الجميع التدخل في شأن داخلي مصري بهذه الصورة الفجة، ثم الإعلان عن تظاهرات لفضح هذا التحالف الأميركي ـ الإخواني. وربما تستخدم السلطة الإخوانية كل أسلحتها العنيفة لمواجهة هذه التظاهرات، بما فيها قنابل الغاز التي أمدتها بها أميركا. سوف يحمون جون كيري من تأثير قنابل الغاز.. لكن من يحمي الشعب الأعزل منها؟!

سوف يدرك الشعب كله (والجيش أيضاً) ما سبق إدراكه بعد شهور من ثورة يوليو 52، وهو أنه لا تقدم ولا نهوض ولا ثورة حقيقية تحقق أهدافها في الحرية وفي العدل، وفي الكرامة.. إلا بالاستقلال الوطني الحقيقي، الذي يسقط التبعية للخارج، ويقضي على أعوانه وحلفائه في الداخل، ويقيم مصر القوية صاحبة الإرادة الحرة، التي تنتظرها أمتها العربية، وتثق في أنها قادمة مهما كانت التضحيات..

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات