لم تكن القمة الحكومية التي عقدت مؤخراً قمة عادية أبداً، بل كانت خطة عمل ومنهج تفكير وضوابط استراتيجية، بلورت حصيلة المرحلة السابقة فاستخرجت أفضل ثمراتها ونتائجها، ورسمت على طريق مستقبل الإمارات محددات ونصبت إضاءات بأحرف وعلامات واضحة لا تقبل الظن أو الشك أو الضبابية، بحيث تصل بالدولة وأهلها إلى ما تصبو إليه القيادة والشعب من مراكز متقدمة..
ولم تغب عن القمة حكمة وحنكة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حين رسم للعاملين في الدولة جميعاً من القطاعين العام والخاص، ثلاثة محاور واضحة لا بد لكل مخلص من العمل على ضوئها حتى تحقيق المستقبل المنشود ورد الجميل للوطن المعطاء.
وتمثلت هذه المحاور الثلاثة ببساطة في ثلاث مفردات هي: التمكين، والتعليم، والتوطين، ليكون المواطن في عملية التنمية والبناء وصناعة المستقبل، هو أولاً وثانياً وثالثاً، في خطوات تنموية توضع لمصلحة الوطن وبنائه.
ليست أمنيات ورؤى تلك التي أشار إليها صاحب السمو نائب رئيس الدولة، بل هي حقوق وواجبات؛ حقوق لكل مواطن في أن يكون على قمة أولويات التفكير المؤسساتي والتمكين على قدم المساواة بين جميع أفراده، لا فرق في ذلك بين رجل وامرأة، فالكل في ضمان الحقوق سواء، على حسب ما تقتضيه طبيعة هذه الحقوق، كما أنها واجبات ممتدة على جميع المسؤولين، لا سيما في القطاع الخاص، وليس أقل دوافعها رد الجميل لأرض منحتهم الكثير، كما أنها واجبات تسهم في مساعدة الدولة على تحقيق خططها في التوطين، مثلما استفاد هذا القطاع من الفرص التي وفرتها البلاد، وأن يجند خبراته للإسهام في تأهيل الكوادر المواطنة للعمل، ليس في القطاع الحكومي فقط، بل في كل مؤسسات القطاع الخاص أيضاً.
ومرة أخرى تؤكد القيادة منهجها في الحكم الرشيد الذي يضع الإنسان في أولى الأولويات، لأن جميع ما في الدولة للإنسان، بل إن صاحب السمو الشيخ محمد، في إضاءاته لطبيعة العلاقة بين المسؤول وشعبه، أوضح ببساطة ووضوح أنها علاقة الخادم بمخدومه، ولكن لا كما تفسر ذلك الأنظمة الشمولية التي لا تقيم وزناً للإنسان ولا تنظر إليه إلا على أنه أداة ورقم، وتجعل الناس جميعهم في خدمة السلطة ويدورون في فلكها ويعملون من أجلها.
فصاحب السمو نائب رئيس الدولة، أكد أن السلطة لخدمة الناس حين قال بوضوح: "نحن سلطة لخدمة الناس، ولسنا سلطة عليهم".
ولا شك أن المسؤول حين يضع ذلك نصب عينه خلال تعامله مع الناس، ويطبق مشروعات وخطط العمل، فإن نظرته تختلف كلياً؛ لأنه حينها يعلم أن مسؤوليته الأولى هي خدمة الناس وإسعادهم، وتغدو المسؤولية حينها أمانة ثقيلة لا بد من أداء حقوقها للمجتمع، وليست حظوة ومكسباً يُستذل من خلالها الآخرون، وعندها تستمر عملية البناء على النهج القويم المرسوم لها لمصلحة الجميع، ومن يسقط في مصيدة رغباته الخاصة على حساب حقوق المجتمع سيطرده المجتمع بشكل تلقائي، ولن يواكب إخلاص العاملين لرخاء الإمارات وبلوغها مرتبة الأفضل بين دول العالم.
قواعد بسيطة عميقة رسمتها القمة الحكومية، على لسان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، تركز هدفها الاستراتيجي في تحقيق السعادة للمجتمع، من خلال تطوير التعليم وبناء الخبرات والكوادر البشرية، وتوفير الوظائف والفرص، وتطوير البنية التحتية، وتحقيق العدل، وتسهيل حياة الناس بكل الإمكانات المتاحة والمتوافرة..
وتمحورت دوافع النجاح هذه، في تفعيل الحب الكبير لكل ذرة تراب في البلاد، وحب كل فرد يعيش على هذه الأرض لهذا البلد، لأن سموه يرى أن ذلك هو السر وراء نجاح الإمارات، وتمكنها من تحقيق الإنجازات، ومواجهة التحديات والتغلب عليها.. كما أنها ترسم للمواطنين خطة عمل للارتقاء بعملهم في خدمة المجتمع، وخدمة المؤسسات التي يعملون فيها، عبر دعمهم في تحسين ورفع مستوى أدائهم، بإعطائهم الصلاحيات وتمكينهم من ممارسة خبراتهم والثقة بقدراتهم، من دون إغفال تقييم عملهم ومراقبة أدائهم، ومن دون إغفالٍ أهمية التحفيز المستمر عبر تكريم المميزين والمتفوقين، لإيجاد التنافسية التي تعمل على رفع مستوى الأداء وتدفع الموظف لبذل أقصى ما عنده.