"مناخ صحي وبيئة نموذجية تكفل جميع أسباب الراحة والأمن والرفاه لمختلف شرائح وفئات المجتمع".. هذا ما أكدته نتائج استطلاع القيم المجتمعية لدولة الإمارات، الذي أجراه مركز دراسات الرأي العام "رايك" التابع لبرنامج "وطني"، بالتعاون مع مركز "باريت الدولي للقيم" المتخصص في إجراء هذه النوعية من الاستطلاعات عالمياً، والذي استعرضته "أكشن فور هابينيس" الدولية في مؤتمرها الذي اختتمت أعماله في لندن مؤخراً.
ذلك المناخ، كما أشارت الدراسة العالمية، أثمر انسجاماً مجتمعياً ومتانة في تلاحم أفراد المجتمع، تمت ترجمته واقعياً بالتنوع الثقافي الهائل على أرض الإمارات، من خلال احتضان الدولة لعدد كبير من الجاليات الأجنبية التي اختارت العيش على أرضها.
منظمة "أكشن فور هابينيس" العالمية غير الحكومية، نوهت من خلال الدراسة بالمدى الواسع من التناغم المجتمعي في الإمارات، الذي أهلها لتتبوأ مركزاً متقدماً في حفظ ونشر وتأكيد القيم الاجتماعية الإيجابية، ورشّحها عن جدارة لاحتلال الترتيب الثاني على مستوى 18 دولة في بقاع مختلفة من العالم أجري فيها الاستطلاع ذاته.
هذه النتائج ليس فيها أي جديد سوى الإعلان عنها في محفل عالمي مستقل، يرصد هذه المعايير في أكثر من 120 دولة حول العالم، وذلك أن كل من عرف الإمارات أو زارها أو عاش فيها، يلمس نتائج هذه الدراسة في نفسه وفي من حوله، ويلاحظ مدى التناغم في أوصال المجتمع على مستوى جميع أفراده، لا فرق بين مواطن ووافد أو سائح أو زائر، في تكامل تلقائي غير مصطنع.
لا مكان في أرض الإمارات للشرائح المنعزلة المنقطعة عن المجتمع البعيدة عن الولاء له.. هذا أبرز ما يمكن الخروج به من ثمرات هذه الدراسة، فالمجتمع الإماراتي بجميع أطيافه والجنسيات التي اتخذت من أرض الإمارات وطناً لها، جميعهم متفقون في عقد أخلاقي معروف وإن كان غير مسطور، على أن العيش والرفاه والأمن في الإمارات مسؤولية كل من وطئ أرض الدولة، وليس من اختصاص الجهات الأمنية فقط، فالرغبة في الاستقرار والرفاه والراحة مطلب مخلص لدى الجميع، والمجتمع برمته يسعى إليه من دون تكلف.
ولا شك لدينا في أن هذا الواقع وهذه النتائج المبهرة في مستوى الرفاه والاستقرار المجتمعي، والتي اقتضت الإشادات العالمية، لم تكن وليدة التمني والرغبة والشعارات الجوفاء، بل كانت بلا أدنى شك ثمرة جهود متواصلة يومية، تحترم المبادئ الراسخة التي قامت عليها دولة الاتحاد الميمون ورسم خطوطها العريضة الآباء المؤسسون، وسارت على نهجها قيادة تنظر إلى الأفق الاجتماعي وقيمة الإنسان على أنه أعلى أولويات الدولة، وأن بناء وترسيخ سعادته على أرض الوطن، أهم بكثير من بناء وتشييد ناطحات السحاب، فهو قبل العمران.
هذه السياسة الحكيمة، وهذا النهج المبارك في العمل لتحقيق الطمأنينة الاجتماعية على أرض الإمارات، شارك فيه أبناء الوطن بوعيهم ورغبتهم الصادقة في العمل لإظهار الوجه الحضاري لشعب الإمارات، والتي وصل إليها بفضل الله عز وجل، حتى أصبح القاصي والداني يعرف لهذا الشعب كرم ضيافته وحسن معشره وطيب العيش على ثرى وطنه.
ولكن لا بد من التأكيد على ضرورة العمل الدؤوب، للحفاظ على هذه الثمرات وتعزيزها ونقلها إلى أجيال المجتمع، لأن في ذلك تعزيزاً للقيم الأصيلة التي يؤمن بها المجتمع ويمارسها أفراده، بدوافع عقدية تراثية أصيلة لا تنتظر جزاء من الآخرين بقدر ما تحقق من خلالها ذاتها التي تشكل وجودها، وهذا هو الجوهر النفيس الذي لا بد من العمل على ترسيخه في الأجيال.
وهذا الاستطلاع يعلي كثيراً من الاهتمام والالتزام الكامل لدى أبناء الإمارات، بالقيم الأخلاقية والإنسانية الأصيلة في المجتمع، الذي يؤمن أفراده بأن الاهتمام بالأجيال القادمة، والاعتزاز بالمجتمع ومتانة الشعور بالانتماء له، هي من أهم القيم التي لا بد من الحفاظ عليها والعمل على تأصيلها وغرسها في نفوس كل من يعيش على أرض الوطن، وهو أمر لا بد من العمل على نشره في نفوس الأجيال لتعرف قيمته وثمراته الإنسانية والمجتمعية، وأن الالتزام الفردي بالولاء للمجتمع والعمل له، يعود بالنفع أول ما يعود على الفرد ذاته، لأنه يمنح الأفراد حس الأمان والاستقرار والوشائج المتينة، وهي عناصر الرسوخ المجتمعي التي لا يمكن الانطلاق من دونها إلى آفاق البناء والتنمية.