بعد وصولي إلى القاهرة في عام 1946 للعمل في المجلس البريطاني هناك، طُلب مني أن أكتب صفحة أسبوعية لمجلة «سفينكس»، وقد كان بعض الذين تربطهم صلة بهذه المجلة، يدركون أنه لا يكاد يكون هناك ذكر في الصحافة الصادرة بالإنجليزية للمبدعين المصريين المميزين، الذين كانوا في ذلك الحين يتصدرون لقيادة حركة ثقافية نشطة في العاصمة المصرية.
وكان معروفاً أنني أكاد أكون الوحيد بين الإنجليز المقيمين في القاهرة، الذي تربطه صداقات واسعة النطاق بأولئك المصريين الذين كانوا في طليعة نخبة مختارة من المثقفين المصريين.
والذين سيقدر لهم في وقت لاحق أن يفرزوا واحداً من صفوفهم يتمتع بالمواهب الضرورية لكي يحصل على جائزة نوبل في الأدب. ولكن تلك القصة يتعين أن تنتظر الوقت المناسب لكي تُروى بالتفصيل. ودعني الآن أعود بالذاكرة إلى تلك السنين، لأقول كلمة موجزة عن الأصدقاء الذين كنت محظوظاً بالارتباط بهم، والذين عملوا في الميادين المختلفة للثقافة.
لقد اكتشفت من خلال التقليب في أوراقي التي احتفظت بها منذ تلك السنوات، أنني كتبت عن الشاعر علي محمود طه، الذي كان قد استهل حياته العملية بالعمل مهندساً، ولكنني عرفت في ذلك الوقت، أي في عام 1946، أنه يعيش من دخله الذي يعود عليه من نظم الشعر، وأذهلني أن أجد أنني تذكرت في كتاباتي أن هناك شخصاً يعيش بالفعل من عائد قصائده.
كتبت أيضاً عن كتاب مصريين آخرين تعرفت إليهم، مثل توفيق الحكيم ومحمود تيمور وطه حسين، الذي كانت أمسيته الأدبية الأسبوعية تستقطب الكثيرين من نجوم الساحة الثقافية المصرية.
وكنت أحضر هذه الأمسية بصفة عامة مع صديقي د. لويس عوض. وكتبت أيضاً عن شخصيات أدبية معروفة بشكل أقل، مثل علي محمود طه، ويبدو أنه كان في تلك الأيام مشهوراً بشعره، وكان يحيى حياة بوهيمية في شقة في شارع سليمان باشا، تقع على مرمى حجر من مقهى جروبي الشهير.
وقد وصفت في كتاباتي هذه الشقة، وذكرت أن علي محمود طه كان يتمسك بالاعتقاد الغريب، بأن الشعر المميز لا يمكن نظمه إلا في الظلام الدامس. وهكذا فقد عهد لنفسه حجرة جلوس لها نظام إضاءة معقد للغاية، يمكن بسهولة تحويلها إلى غرفة يسودها الظلام الدامس.
ويبدو أن العديد من قصائده القصيرة قد تم تلحينها وغنّاها مطربون بارزون، في مقدمتهم محمد عبد الوهاب، وكان من أكثر هذه القصائد المغناة شعبية، قصيدة تحمل عنوان «الجندول». وقد استمد إلهامه في كتابة هذه القصيدة، من رحلة كان قد قام بها إلى البندقية في عام 1938.
وعلى الرغم من أن مترجمي الشعر العربي قد أبدو اهتماماً محدوداً به، إلا أنه يبدو أنه في ذلك الوقت أبدى شخصان اهتماماً بأحدث دواوين علي طه الصادرة حينئذ، والذي كان يحمل عنوان «أنشودة الرياح الأربع»، التي كانت قصيدة سردية طويلة، وقصيدة مصرية قديمة.
وكان أحد هذين الشخصين هو البروفيسور براكنبري، الذي كان مدرساً للغة الإنجليزية في القاهرة على امتداد سنوات طويلة، وكان قد نشر بالفعل ترجمات للشعر العربي القديم، بينما تمثل الشخص الآخر في شاعرة إنجليزية تدعى فيليس طلعت، والتي كانت تأمل تصوير ترجماتها للشعر العربي.
كتبت في ذلك الحين أيضاً عن طه حسين، وذكرت أنه كان على وشك الرحيل إلى فرنسا لقضاء أشهر الصيف الحارة هناك، وأنه في حقيقة الأمر مضى مع زوجته الفرنسية وابنته إلى باريس، لزيارة ابنه الذي كان يدرس هناك في ذلك الوقت.
وبينما كان طه حسين قد درس أصلاً في الأزهر، فإنه في السنوات الأخيرة آنذاك، كتب محبذاً الابتعاد عن التقاليد القديمة في دراسة الشعر العربي القديم، وتطبيق مناهج حديثة في النقد والتحليل عليه. ومن بين أهم أعمال طه حسين، دراسته عن حياة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وكذلك كتابه عن أبي العلاء المعري، الذي كان شأن طه حسين، قد فقد بصره في السنوات الأولى من عمره.
وقد كتبت في هذا العدد نفسه من مجلة «سفينكس» عن الحاج عبد الله فيلبي، الذي كنت قد عرفته منذ زمن الحرب، عندما كنت أعمل في القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية. ويبدو أن فيلبي كان قد وصل لتوه من الرياض، وكان في طريق عودته إلى إنجلترا، وقد وجدته جالساً في شرفة فندق كونتيننتال، وأبلغني أنه يقوم بزيارة قصيرة فحسب لإنجلترا، حيث يريد اكتشاف الأمر في ما يتعلق بالوضع بالنسبة لتصدير سيارات فورد إلى المملكة العربية السعودية، حيث كان في ذلك الوقت الوكيل الحصري لها في المملكة.
وقد أنهيت مساهمتي في المجلة في ذلك العدد، بالإشارة إلى أن المحامي علي أيوب، الذي كان يشغل منصب نائب رئيس مجلس النواب، كان في سبيله إلى إلقاء محاضرة باللغة الإنجليزية عن مكانة المرأة في مصر».