الانتخابات الإسرائيلية.. نتائج ومؤشرات

ت + ت - الحجم الطبيعي

تدرك الشرائح الطبقية الوسطى في إسرائيل والتي تشكل قطاعاً هاماً داخلها، بأن المكونات الرئيسية لهيكلية وحضور وسطوة الجهات المتنفذة في إسرائيل مكونة من ثلاثة أطراف، أولها الأجهزة الأمنية بأذرعها المختلفة ومعها "الجيش الإسرائيلي" وهي الأجهزة المتحالفة مع السياسيين، فالجيش هو المنبت والمنبع الرئيسي لمعظم القيادات وأصحاب القرار في إسرائيل وعموم الأحزاب فيها خصوصاً الأحزاب الكبرى.

كما أن الجيش وأجهزة الأمن وأذرعه المختلفة تستنفد أكثر من 25٪ من الميزانية المالية السنوية للدولة العبرية، فضلاً عن ابتلاعها كامل المساعدات الخارجية الأميركية التي تذهب للجيش الصهيوني ولأجهزة المن وحدها دون غيرها.

وثانيها أصحاب رؤوس الأموال، الذين لا وطن لهم سوى وطن الاستثمارات والتشغيل، وإقامة الإمبراطوريات المالية بالتحالف مع الكارتلات العالمية في الولايات المتحدة والغرب وبعض الدول النامية في القارة الأميركية الوسطى والجنوبية وقارة افريقيا.

وثالثها مجموعات الأكليروس من اليهود المتدينين والمتطرفين منهم على وجه الخصوص، الذين يستنزفون الموارد المالية العامة كما تستنزفها معهم المستوطنات المقامة فوق الأرض المحتلة عام 1967.

وبالمحصلة، فقد تبين أن الجهات الثلاث تنهب بالنهاية المال العام في الدولة العبرية، وتضع الشرائح والطبقة الوسطى والشباب في حالة مادية سيئة، إذ تشير المعطيات الإسرائيلية المنشورة على صفحات الصحف العبرية أن أكثر من 60٪ من الشباب لا يكفيهم معاشهم حسب الإحصاءات الإسرائيلية ذاتها، ومع تفاقم الاحتياجات فإن 90٪ من "الشارع الإسرائيلي" بات مؤيداً لها.

ويمكن القول بأن اتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء، وتآكل الشرائح الطبقية الوسطى، ووجود متسع كبير من الفوارق الاجتماعية بين الناس فيها، إضافة لوجود هوة متزايدة يوماً بعد يوماً بين المجموعات الاثنية المشكلة للدولة العبرية، وتحديداً بين اليهود من مختلف القوميات التي انحدروا منها أساساً كانت ومازالت عوامل أساسية بعيدة في نشوء تلك الهبات الاحتجاجية التي لم تصل إلى درجة الذروة حتى الآن.

فجذور الأزمة ترجع في جانب هام منها (ليس وحيداً) إلى وجود الفوارق الكبيرة بين الناس وفي السياسة الاقتصادية الاجتماعية التي اتبعتها الحكومات الإسرائيلية منذ أكثر من عقدين، والتي تمثلت في التخلي عن دولة الرفاه واتباعها نهج الاقتصاد الحر والخصخصة وتقليص الإنفاق على الخدمات العامة كالتعليم والصحة، وهو ما أضر بشكل كبير بقطاعات الشباب والشرائح الطبقية الوسطى التي بدت حياتها الاجتماعية والاقتصادية تتأرجح كل يوم منذ سنوات خلت.

من هنا، إن حدة التناقضات داخل إسرائيل لاتقف عند حدود التناقضات بين مجاميع اليهود وفق أصولهم القومية والاثنية فقط، بل تتعدى ذلك نحو الولادة المتتالية للفوارق في نمط الحياة مع اتساع الفوارق الطبقية الاقتصادية والاجتماعية بين مجاميع اليهود ذاتهم.

فالبون شاسع في الجوانب تلك على سبيل المثال بين اليهود الشرقيين (السفارديم) وبين اليهود الغربيين (الاشكناز)، وبين يهود إسرائيل من ذوي الأصول الأوروبية الغربية (اليهود الأمراء) وبين يهود إثيوبيا (الفلاشمورا) على سبيل المثال الذين باتوا يمثلون (حثالة البروليتاريا) وفق الأدبيات الماركسية والاشتراكية العمالية التي تنتمي إليها العديد من أحزاب إسرائيل خصوصاً حزب العمل الإسرائيلي الحزب المؤسس لدولة إسرائيل، وكتلة ميرتس التي تدعي بأنها تمثل تيار "اليسار الصهيوني".

إن ما يؤكد ما ذهبنا إليه أعلاه، أن غياب العدالة الاجتماعية في الدولة العبرية الصهيونية ليس وليد اليوم ولا تحدده ارتفاع أسعار السلع والمساكن وما إليها فقط دون غيرها، بل هذا الغياب قائم منذ إقامة الدولة العبرية واحتلال فلسطين. والفلسطينيون أصحاب الوطن الأصليون الذين بقوا على أرض وطنهم عام 1948 كانوا ومازالوا هم أكثر المتضررين من سياسة التمييز العنصري التي تطول كل أشكال الحياة والوجود.

وعليه، وكما أسلفنا، نخلص إلى القول بأن هناك أسباباً بعيدة وأسباباً قريبة مباشرة، وخلفيات كامنة ستفاقم من أزمات إسرائيل الداخلية ولو بعد حين، ويتوقع أن تتصدرها قطاعات الشباب وشرائح الطبقات الوسطى.

 

طباعة Email