يتبادر للذهن أحياناً، سؤال قد يكون بسيطاً في مظهره إلا أن التعمق به، يجعل الإنسان يغوص في التاريخ، وخاصة القديم منه، لماذا الإنسان العربي حزين؟! ولماذا يعتبر التعبير عن الفرح عيبا اجتماعيا؟

! هل سمة الحزن هي الملمح العام للشخصية العربية وربما الإسلامية، أم أن ذلك غير صحيح أو ربما هو مجرد وهم وخيال. إن المتابع للأغاني العربية، وخاصة العراقية منها، يجد المناحة والحزن والقهر، فهل هنالك علاقة بالمذهب الديني وتلك النظرة الحزينة للحياة، أم أن أسباب أخرى هي المحرك لذلك. ومن عجب العجاب أن ملك الألوان هو الأسود، ومع ذلك فهو دلالة على الحزن، بدلاً من أن يكون دلالة للعنفوان والكبرياء والعزة.

ولعل الأدب العربي بشكل عام والشعر بشكل خاص مليء بهذه الألوان من الحزن، فالوداع هو حزن، وكأن الإنسان سوف يفقد ذلك الراحل من دون أمل في رؤيته مرة أخرى، ألا يدل ذلك على الانكسار الداخلي للإنسان وفقدان الأمل أم أن هنالك أسباباً أخرى هي جزء من الذاكرة المختبئة في العقل الباطن حسب نظرية سيغموند فرويد؟!

تمعن الإنسان للنار من خلال متابعة اللهب والألوان المختلفة للنار ربما لساعات طويلة وكأنه يتوحد معها، يعد هروباً من الواقع وترك العنان للخيال الواسع في علاقة الإنسان بالنار، وهي النور، وتبين في الوقت ذاته خوفه من الظلام، ولعل تسمية طيور الظلام ذات دلالة على الخوف من الأجهزة المخابراتية. تؤكد الدراسات الأنثروبولوجية أن النار كانت تحمي الإنسان من الوحوش الضارية، وفي الوقت ذاته نشاهد انتحار الحشرات برمي نفسها في النار وكأنه انتحار معلن.

إن اكتشاف النار لدى الإنسان فتح أمامه العديد من المجالات، فالنار تزيد من لذة الطعام، بل لقد تفنن الإنسان في الطهي بفضلها، ونادراً ما يأكل الإنسان اللحم الني، اللهم إلا لدى بعض الشعوب، ومنهم أهل الشام بشكل عام، واللبنانيون بشكل خاص.

ألم تكن بعض الشعوب تعبد النار، وهي مقدسة لديهم ولها طقوس اصبحت جزءاً من ثقافتها في مرحلة ما قبل الديانات السماوية، واستمرت حتى مع وجود الديانات السماوية سواءً اليهودية أو المسيحية أو خاتمة الديانات الإسلام، إلا أن التغييرات الثقافية تحتاج إلى وقت طويل وإلى عمليات من التراكم قد تستمر لأكثر من جيل.

لعل النار هي رمز من رموز الحياة وهي الدفء المطلوب شتاءً، أليست هي النقيض للحر أو جهنم أو غيرها من التسميات.

إن الفرح هو النقيض للحزن، والنور ضد الظلام ولعل الذاكرة تعود إلى ذلك الفيلم القديم المسمى الليالي البيضاء، وهذه الليالي يحتفل بها في مدينة بطرس بورغ حتى الآن، والتي كانت تعرف بمدينة ليننجراد أي مدينة لينين قائد الثورة البلشفية في روسيا حين ذاك.

ألم تؤكد بعض الدراسات أن سكان المناطق الباردة يصابون بالكآبة والحزن، على حين أن الإنسان في المناطق الدافئة هو إنسان مرح محب للحياة، يتمتع بكل لحظة من لحظات عمره.

إن العديد من الدراسات الحديثة تخشى من عودة العصر الجليدي من جديد حيث ستعاني البشرية من ذلك ومن هنا كانت أهمية النفط، ومشتقاته التي تحقق الرفاهية للإنسان، سواء من الملبس أو غيره، وهي التي جعلته ينتقل من قارة إلى أخرى في ساعات معدودة.

لعل العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ قد غنى عن نار الحب، سواء بقرب الحبيب أو بعده، وغيره كثيرون ممن غنوا عن النار والشوق والحب، وهو جزء من الثقافة العربية. إن العديد من الشعراء العرب، سواء من العصر الحاضر أو الماضي قد تغنوا وكتبوا حول النار، أليست جهنم هي مصير كل من لا يؤمن بالواحد الأحد؟.

هل حزن الإنسان العربي جزء من حيرته من الموقف من النار، أم أن ذلك يعود إلى معرفته المسبقة أن لا حياة من دون النار، فهي تحمل كل التناقضات الفكرية لدى البشرية على مر الزمان والعصور، وهي بلا شك فاكهة الشتاء والتي يكن لها التقدير والاحترام، وقد استخدمت النار ودخانها لإرسال الرسائل في المعارك القديمة، ولعل الهنود الحمر من الشعوب التي تقدر قيمة النار وملحقاتها.

وأخيراً عزيزي القارئ، عليك بالتمتع بفاكهة الشتاء في هذه الأيام الجميلة، والتي ننتظرها بفارغ الصبر كل عام، وكل شتاء وأنتم بخير.