نحو أربعة عقود تقريباً، كان الفاصل بين الإعلان عن تأسيس أول بنك إسلامي متكامل الخدمات على مستوى العالم، وهو بنك دبي الإسلامي، الذي ولد في منتصف السبعينيات، ليقدم كافة الخدمات المالية والبنكية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، وما بين إعلان دبي عاصمة للاقتصاد الإسلامي مطلع هذا العام، على لسان رائد المبادرات الكبيرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله.
وقبل سبع سنين فقط، وتحديداً في العام 2006، أعلنت إدارة سوق دبي المالي عن تحويل السوق إلى أول سوق مالي إسلامي عالمي، يستقطب كافة الاستثمارات المحلية والعالمية الراغبة في الالتزام في استثماراتها بأحكام الشريعة، بحيث تكون هذه السوق الخيار الأوحد لهم.
وربما لا نستطيع التعبير عن حجم الثقة العظيمة في دبي واقتصادها، ومدى نجاحها في استقطاب الاقتصاد الإسلامي على مستوى العالم، وصهره وإنعاشه وتحريكه بأمان الشريعة الإسلامية، كما عبر عنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، حين وصف ثقة الإمارة في هذه الخطوة وضمان نجاحها بأكثر من المتوقع قائلا:
"نحن على ثقة بأن قطاع الاقتصاد الإسلامي سينجح ويحقق ما هو منتظر منه وأكثر، وثقتنا هذه تستند على حقائق ومعطيات لا لبس فيها، في مقدمتها ما تتمتع به الإمارة من مكانة مرموقة وموقع رئيسي ومحوري على خريطة الاقتصاد العالمي، وأن إضافة قطاع الاقتصاد الإسلامي إلى هيكل القطاعات الرئيسية المكونة لاقتصاد الإمارة، ستشكل إضافة نوعية لخريطتها الاقتصادية المتكاملة، ما يؤهلها بقوة لأن تصبح عاصمة للاقتصاد الإسلامي".
هكذا عودنا سموه، وهكذا عودتنا دبي، بالقفز فوق جميع توقعات الآخرين، فهي تتخطى بمبادراتها توقعات المتفائلين، لتقول للجميع إن ها هنا إرادة لا تعرف المستحيل، وأنها تقرأ المستقبل أفضل من قراءة الآخرين للواقع والماضي، ولا تضرب في رصيد الأيام إلا بالسهم الصائب.
خطوة حيرت الخبراء الاقتصاديين في حيثياتها وجرأتها وثقتها بنفسها، وحسن قراءتها لحركة الاقتصاد العالمي، ولم يجدوا بداً من إبداء قدر هائل من التفاؤل بأن هذا الإعلان عن التوجه لتحويل دبي إلى عاصمة عالمية للاقتصاد الإسلامي، سيكون له الكثير من الانعكاسات الإيجابية على أسواق المال التي تعد من أهم القنوات الاستثمارية، وتوفر العديد من المنتجات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية.
وتترجم مدى الحنكة والذكاء الاستثماري لدى القيادة الرشيدة، ومستوى الخبرات المتراكمة عبر السنين. مؤشرات النجاح هذه يصدقها على أرض الواقع، الكثير من الدلائل بالأرقام الواضحة، فقيمة الصفقات المبرمة على أسهم الشركات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية في الأسواق المالية المحلية، قد وصل إلى 150 مليار درهم خلال السنوات الخمس الماضية.
الأمر الذي شجع على تأسيس العديد من الشركات لتلبية الطلب المتزايد على هذا النوع من الأدوات الاستثمارية، ويدعم ذلك ما تتمتع به دبي بوجه خاص من اقتصاد حر مرن ومفتوح، قادر على استيعاب المتغيرات، وما تمتلكه من بنية تحتية وتقنية لوجستية.
وما يلفت في إعلان سموه، هو دراسته لجميع مناحي الاقتصاد الإسلامي، حين حدد أنه سيتم التركيز على عدة مسارات رئيسية؛ أولها التمويل الإسلامي، عبر تطوير أدواته ضمن أسواق دبي، وإنشاء مجلس شرعي لاعتماد المنتجات الجديدة، ثم التأمين الإسلامي الذي سيركز على جذب أكبر الشركات العالمية للتأمين الإسلامي لتتخذ دبي مقراً لها، وتطوير أدوات التأمين على مستوى الأفراد والمؤسسات، ثم إنشاء مركز لتسوية النزاعات والتحكيم في العقود الإسلامية.
وبعد ذلك تطوير صناعات الأغذية الحلال، وبعده مسار المعايير التجارية والصناعية الإسلامية، من خلال إنشاء مركز مستقل للتصديق على المنتجات المصنعة، وتنظيم عمل الشركات العاملة في هذا المجال، في حين سيقوم مسار معايير الجودة الإسلامية، بتطوير معايير إسلامية للجودة مشابهة للمعايير العالمية.
ولا شك أن النهضة التنموية الشاملة لإمارة دبي، المستندة إلى عقود من التخطيط الجريء للمستقبل، قادرة على التكيف مع المتغيرات واستيعاب كل المستجدات في جميع القطاعات.