لا تقوم المجتمعات في ما جرت به العادة ويؤكده الواقع على مر الزمان وتتابع الحضارات، إلا على منظومة قانونية تظلل علاقات الناس في ما بينهم، وتكون كالعقد الاجتماعي الناظم الذي يحتكم إليه الجميع، لتسير التجمعات الإنسانية نحو المقاصد الكبرى لوجودها مقرونة بعوامل الأمان النفسي والاستقرار الحياتي، وليتحقق الانتقال المعنوي الحقيقي من وحشية حياة الغاب إلى أُنس حياة المدنية، هذا في الشكل النموذجي للمجتمعات كما نظّر لها المنظرون وبشر بتشكيلها المبشرون من السياسيين والمفكرين.

غير أن المسألة لا تقف عند الرغبة في كثير من الأحيان، فالمجتمعات لا تسوسها وتنظم حياتها الأماني في أغلب الأحيان، بل الملاحظ أن البعض من المستظلين بظلال المجتمعات المدنية، يتحينون الفرص في كثير من الأحيان للخروج من ضوابط القانون، أو التحايل على نصوصه أو تأويلها، أو التغرير بالناس البسطاء لتنطلي عليهم ألاعيبهم، فيقعوا فريسة الظلم باسم القانون وبدعوى الجهل، وهو ما حذر منه القانونيون حتى باتت المقولة المحذرة من مغبة الجهل بالقوانين معلومة لدى الصغير والكبير، وما أسرع ما يقول لك القائل حين تقول إنك في ورطة محبوكة قانونياً، إن "القانون لا يحمي المغفلين".

غير أن هذه المقولة وإن كانت شائعة معروفة، وربما مقررة لدى الكثيرين، إلا أن حولها تساؤلا كبيرا جداً تفرضه البداهة قبل الحس الإنساني العام، وهو أنه إذا كان القانون لا يحمي المغفلين أو الجاهلين بالقانون، فهل يحمي فقط فقهاء القانون؟،أو بمعنى آخر؛ إذا لم يجد مغرر بهم الجهلاء بالقانون، ما يرد لهم حقوقهم المنهوبة باسم القانون فإلى أين يلجؤون؟

وها هنا وقفة قانونية لجلاء الإبهام الذي يرد حول هذا الموضوع، وهو أن القانون بمعناه الواسع، في الحقيقة إنما جاء ليحمي المغفلين لا ليتخلى عنهم، ولكنه في الوقت نفسه لا يحمي ولا يساعد المستهترين اللامبالين، الذين لا يأخذون الحد الأدنى من الحذر القانوني الواجب، ثم يقولون إن القانون لا يحمينا.. فما الذي يمكن أن يقدمه القانون لإنسان تهاون بكتابة عقد تجاري وتثبيته مثلاً، أو الاستعانة بشهود، أو وقع ضحية طمعه بالانجرار وراء الإعلانات المزيفة التي تسرق أموال الناس بمنتهى إرادتهم؟!

من هذا المنطلق وضعت مؤسسات القضاء والقانون في الإمارات إحدى أبرز خططها الاستراتيجية، وهي الانتقال بالمواطن من ساحة الجهل القانوني التام، للوصول إلى الحد الذي يضمن حمايته من جزء كبير من المطبات باتخاذ إجراءات بسيطة، والتوعية بالحد الأدنى العام من الثقافة القانونية ونشرها بين الجمهور.

قبل أيام أطلقت دائرة القضاء في إمارة أبوظبي، حملة توعية اجتماعية قانونية على شبكة التواصل الاجتماعي (تويتر)، ترصد من خلالها الموضوعات والقضايا التي تتطلب إجراء نوع من التوعية الاجتماعية، للتواصل في شأنها مع مرتادي شبكة "تويتر"، وتزويدهم بالمعلومات القانونية الصحيحة.

 وتسعى هذه الحملة الرائدة فعلاً، لنشر الوعي والتثقيف بالتشريعات النافذة في الدولة، وتكريس قيمة الاحترام الطوعي لأحكام القانون، وتفادي حالات الوقوع تحت طائلة القانون بسبب الجهل بالأحكام الواردة فيه، في ظل مبدأ اجتماعي عام يتمحور حول فرضية تقول إن "الثقافة القانونية ضرورة مجتمعية".

وإذا كانت إحدى أبرز ثمار هذه التوعية، هي الاطلاع على ما تطلبه الدولة من إجراءات قانونية لا بد من العلم بها عند جميع أفراد المجتمع، إلا أنها تقدم أيضاً الدعم المجتمعي الكامل من الناحية القانونية، ليستفيد الناس من قواعد القانون، وتصبح الممارسات الحياتية في أغلبها مقرونة بالوعي التشريعي القانوني، في حده الأدنى كما قلنا، وهو بلا شك كفيل بأن يحمي الكثيرين من مزالق المتصيدين.

هذا الوعي المسؤول عند المؤسسات القانونية في الدولة، يخرجها من الصف المقابل إلى الصف المحاذي للمجتمع، لتقف إلى جانب أبنائه ناصحة مثقفة، وتحرص على حياته وممتلكاته وحقوقه كما يحرص هو، لأن هذا هو دورها المجتمعي المنتظر منها.

وفي المقابل تنتظر هذه الجهات القضائية والقانونية من المجتمع، المزيد من الحرص على إنجاح أمثال هذه المبادرات البناءة، للارتقاء بالوعي القانوني لأفراده، وإغلاق النوافذ أمام المتسللين إلى حقوق الآخرين تحت عباءة القانون، ولحماية المجتمع عامة من الوقوع في مخالفات قانونية كان يمكن تجنبها بمحاضرة أو اثنتين.