دهش الكثيرون حيال الحقيقة القائلة إن شخصا يدعى يحيى الطاهر عبد الله كان من أصدقائي، وقد كان كاتبا موهوبا إلى حد كبير، لم يتلق تعليما رسميا وبالتالي فقد علم نفسه بنفسه، ولم يكن على معرفة بكلمة واحدة من أي لغة أجنبية، وعلى النقيض من كثير من الكتاب العرب المنتمين إلى أوقات سابقة، فإنه ربما كان الكاتب الأقل قبولا بأنصاف الحلول مع قارئه، ولم يكن يخطر بباله قط أن بعض كتاباته سوف يقرؤها ذات يوم قراء غير مصريين في عالم مجهول تماما بالنسبة له.
ولد يحيى الطاهر في الكرنك بصعيد مصر، ولم يتخذ من القاهرة موطنا له إلا بعد أن كان قد علم نفسه اعتمادا على موارده الخاصة، بحيث تمكن من ناصية اللغة العربية ومن فن كتابة القصة القصيرة. وقد قام هو نفسه بتطوير أسلوب فني وحيوي في نسيجه الفني الذي كان من إبداعه، والذي يضرب جذوره في الأدب العربي الكلاسيكي، وفي الفولكلور المصري.
والقارئ في محتوى إبداعه وكذلك في شكله، يجد نفسه غالبا في أرض هي من صياغة الكاتب على نحو فريد، وسط تزاوج غريب بين الواقعية والخيال، على نحو لا مثيل له في الأدب العربي. وثراء اللغة الكلاسيكية وإيقاعات الحديث العادي، يتم استغلالهما بصورة كاملة في كتاباته.
كانت الحقيقة المتمثلة في كونه ينتمي لخلفية ريفية، شيئا يبدو بالغ الوضوح في التو، ولم يبذل جهدا لإخفاء ذلك. وبينما كانت هذه الخلفية هي التي جعلته فنانا موهوبا، فقد جعلت منه كذلك شخصا غير مقبول بالنسبة لكثيرين ممن حققوا الشهرة في عالم الأدب.
أتذكر أنني دعيت ذات مرة إلى دار الأديب إدوار الخراط، حيث كان قد دعا عددا من الكتاب المصريين في ذلك المساء، وكنت في ذلك الوقت قد ترجمت العديد من الأعمال الروائية والقصصية من العربية إلى الإنجليزية، وكانت الدوائر الأدبية في القاهرة تحسن الظن بي.
ومن هنا فقد شاركت في النقاش الذي كان يجري في الأمسية، وقد سألني أحد الأدباء الشبان عما إذا كنت قد سمعت بكاتب يدعى يحيى الطاهر عبد الله وعن رأيي فيه. وقد دهش على نحو جلي لأنني كنت أعرف هذا الكاتب، ودهش بشكل أكبر عندما أعربت عن إعجابي بكتاباته.
وعندئذ بادر هذا الأديب الشاب إلى شن هجوم على يحيى الطاهر، قائلا إنه شخص لم يحظ بأي تعليم مناسب، ولم يقدم في كتاباته شيئا يستحق التقدير.
وقد دهشت حيال الطريقة التي تحدث بها هذا الأديب ضد يحيى، فعزمت في قرارة نفسي على أن أترجم كتابا ليحيى، ولكن أي كتاب؟ تحولت المناقشة التي أعقبت ذلك فغدت كلها تدور حولا يحيى، ومضى إدوار الخراط، الذي كان يحظى بتقدير كبير من جانب الجيل الشاب، يتحدث بعبارات متألقة عن يحيى الطاهر عبد الله، وتصادف أني أعرف أن إدوار الخراط كان يقدره كثيرا، بل وقام بترتيب حصوله على راتب شهري يساعده على تلبية مطالبه الأساسية.
ينبغي للمرء لكي يفهم كتابات يحيى، أن يتعمق في فهم أسلوبه، وأن تكون لديه معرفة أساسية عن حياة القرية، رغم أن الكاتب يعتبر أن من المسلم به أن قارئ أعماله، لديه معرفة أساسية بالإسلام والقرآن الكريم. ومعظم الشخصيات التي رسمها في أعماله كانت من أصول ريفية، وحتى القصص التي كتبها وكانت لها خلفية قاهرية، كانت شخصياتها تتألف إلى حد كبير من أشخاص قدموا من الريف ولم يتلقوا تعليما يذكر.
لسبب غريب، وبصفة عامة، لم يكن يحيى يحظى بحب المجتمع الأدبي في القاهرة، وأتذكر أنني كنت ذات مرة مع الكاتب الكبير توفيق الحكيم في مكتبه، وسألته عما إذا كان بوسعه أن يدبر لقاء بيني وبين مسؤول حكومي رفيع لديه سلطة صرف مبلغ من المال لكاتب موهوب يحتاج إلى دعم، وكان هذا الطلب يقتضي أن يتقدم شخص مثلي بهذا الطلب نيابة عن ذلك الأديب.
بدا توفيق الحكيم مترددا في القيام بذلك، ولم يقم به إلا عندما أقنعه شخص آخر كان موجودا في المكتب بأن يبادر بذلك، وفي نهاية المطاف رفع الحكيم سماعة الهاتف واتصل بالشخص المعني، وأوضح له أن المترجم "الرائد" للأدب العربي الحديث، يرغب في الحديث معه حول موضوع أدبي. وتم تحديد صباح اليوم التالي موعدا للقائه، ولكن أذهلني أن الرجل لدى سماعه اسم يحيى الطاهر عبد الله رفض توقيع الطلب.
أعاد المسؤول الطلب إليّ عبر مكتبه واعتذر قائلا: "لقد قمت باختيار غريب".. وهكذا قمت باسترداد الورقة، ونهضت من مقعدي تاركا قدح القهوة الذي قدمه لي دون أن ألمسه.
توفي يحيى الطاهر في حادثة سيارة غريبة، وهي حادثة شارك فيها بالتصرف بطريقة غير حاذقة، حيث كانت السيارة التي تقودها صديقة له تنطلق مسرعة وانفجر أحد إطاراتها، وعندئذ فتح الباب القريب منه وألقى نفسه في الطريق، وهكذا لقي حتفه فورا.
كان يحيى الطاهر عبد الله في ذلك الحين قد بلغ أواخر الثلاثين من عمره، وأنجز أربع مجموعات قصصية ورواية قصيرة. ورغم أنه لم يحرز قط الشهرة ولا النجاح المادي الذي أحرزه كتاب مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس، فإنه كان يحظى بتقدير كبير من جانب الأكثر إيغالا في التعمق الأدبي في أيامه. ولا شك أنه كان حريا به أن يحقق نجاحا أوسع نطاقا لو أن العمر امتد به، وسوف تتاح أعماله للقراء بالإنجليزية من خلال مجلد انتهيت لتوي من إنجازه، وسيصدر في الأسابيع القليلة المقبلة.