حتى قيام ثورة يناير في مصر قبل عامين، كانت إحدى مشاكل القوى الوطنية هي توحيد الصف أثناء التظاهرات حول شعارات تجمع الكل، بينما كان "الإخوان المسلمون" يحاولون إظهار الخلاف، وكان الأمر يهدد أحياناً بالتطور إلى الأسوأ، خاصة في المناسبات القومية وحين يتعلق الأمر بالعدو الصهيوني، حيث كانت شعارات الإخوان ترتفع بـ"خيبر خيبر يا يهود"، بينما كان باقي القوى الوطنية تصر على أن المعركة ليست ضد اليهود، بل ضد الصهاينة الذين اغتصبوا فلسطين، وأنها أيضاً ليست ضد "الصليبيين" كما كان البعض يحاول تصويرها، بل ضد الإدارة الأميركية التي تدعم العدوان الإسرائيلي وتعادي الشعوب العربية.

بعد الثورة، ومع صعود "الإخوان" للحكم، بدأت الأمور تختلف. اتضح أن الدعم الأميركي كان وراء الصعود الإخواني، وأن الاتصالات السرية بين الجانبين كانت منذ سنوات، وأن التفاهم قد تم بعد التزامات بعضها تم إعلانه، مثل عدم المساس بالمعاهدة مع إسرائيل، وضمان التسهيلات المقدمة للقوات الأميركية عند عبور قناة السويس، واستمرار السياسات الاقتصادية التي كانت مطبقة في عهد مبارك، والتوافق مع السياسة الأميركية في المنطقة.

كان هذا هو المعلن، لكن بقي الكثير طي الكتمان، وبقيت علامات استفهام كثيرة حول الضغوط الأميركية التي مورست لإيصال الدكتور مرسي للحكم، وحول الرهان الأميركي الذي لم يتغير حتى بعد الأخطاء الفادحة التي ارتكبها مرسي، وما تم من اختطاف دستور مصر دون مشاركة كل القوى الوطنية وفي غياب الأقباط، ثم ما حدث من انتهاكات في الاستفتاء على الدستور، ومن اغتصاب السلطة من خلال الإعلان الدستوري، وانتهاك الاستقلال للقضاء وحرية الصحافة.. رغم كل ذلك بقي الدعم الأميركي للإخوان ومرسي كما هو.. وأصبح واضحاً أن هناك ما هو أكبر وأخطر في العلاقة بين واشنطن وبين الجماعة التي كانت قبل سنوات متهمة من قبل الأميركان بالإرهاب!

بالطبع، كان من السذاجة قبول الحجة الأميركية بأن الإخوان هم الجماعة الوحيدة المنظمة والموجودة في الشارع، في ضوء ما أصبح معروفاً من ضغوط أميركية على العسكر لتمرير مطالب الجماعة، وفي ضوء ما أثير في الكونغرس ثم حدثت التغطية عليه، عن ملايين الدولارات التي قدمتها واشنطن لدعم الإخوان في انتخابات مجلس الشعب الذي تم حله! وأيضاً، كان من الصعب القبول بأن واشنطن قد اكتشفت فجأة ودون أي حسابات أخرى، أن "الإخوان" هم الديمقراطيون الحقيقيون في مصر وفي العالم العربي!

أو أن الإدارة الأميركية بكل نفوذها وسطوتها وعيونها وآذانها في القاهرة، لا تعرف ما حدث من انتهاكات لحقوق الإنسان، ولم تر ما حدث من حصار للمحاكم واعتداء على القضاء، ولم تشاهد ميلشيات الإخوان وحلفائهم وهي تهدد الإعلام وتحرق مقرات الصحف، وتقتل شباب الثوار على أبواب قصر الرئاسة!

في هذا الإطار ينبغي أن نقرأ تصريحات القيادي الإخواني عصام العريان، التي يدعو فيها اليهود المصريين الذين هاجروا لإسرائيل للعودة إلى مصر، ويعدهم بإعادة ممتلكاتهم!..

والعريان هو عضو مكتب الإرشاد أعلى قيادة لجماعة الإخوان، وهو نائب رئيس حزب الإخوان (الحرية والعدالة)، وهو رئيس الأغلبية الإخوانية المتحكمة في "مجلس الشورى"، الذي تحول إلى سلطة التشريع في مصر (بعد إقرار الدستور)، رغم أن من انتخبوه لا يتجاوزون 7% من الناخبين، ثم هو الوجه الذي كان يبدو كأنه الممثل لجناح الاعتدال في الجماعة، وهو وربما هذا هو الأهم العائد من رحلة أميركية لم تكن قطعاً للتسلية أو التسوق، أو حتى للتعويض عن الهزيمة في سعيه للحصول على موقع الزعامة في حزب الإخوان!

بالطبع، من السهل، بالتاريخ والوقائع، تفنيد هذا الكلام الساذج والجاهل من جانب الأخ عصام العريان. فقصة خروج اليهود المصريين معروفة ومنشورة في كتب كثيرة، ربما لم يقرأها الأخ العريان، أو قرأها وتجاهلها لأن مصالح الجماعة تفرض ذلك!.. ومع هذا "يتبرع" العريان، أو تتبرع الجماعة بهذا العرض المدهش لليهود الذين هاجروا قبل عشرات السنين، بالعودة لمصر.. ثم بالوعد الكريم بإعادة ممتلكاتهم التي باعوها أو قبضوا التعويض عنها!

لكن.. لماذا تأتي الآن دعوة "الإخوان المسلمين" على لسان نائب رئيس حزبهم عصام العريان، بعودة اليهود المصريين، وإعادة ممتلكاتهم التي سبق لهم أن باعوها أو أخذوا التعويضات عنها؟

يجدر هنا العودة لخطوات سابقة، منها تكرار الالتزام بالمعاهدة مع إسرائيل، حتى بعد أن طلب العسكريون تعديل ملاحقها الأمنية، لتوفير الظروف لحماية سيناء.. ومنها الإسراع بتعيين السفير الجديد لمصر في إسرائيل، وإرساله مع الخطاب الشهير الذى خاطب فيه الرئيس مرسي رئيس إسرائيل شيمون بيريز بـ"الصديق الوفي"، ولم يكن صحيحا ما قيل إن هذه هي الصيغة المعتمدة مع كل الرؤساء..

ومنها الإجراءات التي تمت مع العدوان الإسرائيلي الأخير على غزه، والدور الذى لعبه الرئيس مرسي واستحق الإشادة الهائلة من الإدارة الأميركية ومن إسرائيل، التي قالت إن الاتفاق الذي تم يضمن تأمين حدودها الجنوبية ويحمل مصر المسؤولية!

كان كل ذلك يبدو في إطار السعي للرضى الأميركي عن حكم الإخوان. لكن الخطر يأتي في أن يكون الأمر أكثر خطورة من ذلك، وأن تكون هذه الخطوات بما فيها عرض العريان، هي محطات في تنفيذ المخطط الأميركي الإسرائيلي لتغيير خريطة المنطقة، وتفتيت ما تبقى من كيانات عربية موحدة، وتصفية القضية الفلسطينية على يد قوى تستطيع تمرير التصفية تحت عباءة دينية.

يلفت النظر هنا أنه في نفس اليوم الذي أطلق فيه القيادي الإخواني تصريحاته حول عودة اليهود المصريين، كانت وسائل الإعلام الإسرائيلية تنصبه "بطلا وطنياً"، وكأن "المزاد" قد انفتح ليبدأ بالمطالبة بتعويضات قدرها 30 مليار دولار.. دون حديث عما نهبه من بترول سيناء، والأهم.. دون حديث عن جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل ضد جنود مصر، والتي شارك فيها بعض هؤلاء الذين يدعوهم الإخوان للعودة والتعويض.

ويلفت النظر أكثر، أنه في نفس اليوم الذي انطلقت فيه تصريحات القيادي الإخواني، كانت "واشنطن بوست" تكشف الستار عن مباحثات سرية انعقدت قبل عام بين الأميركيين والإخوان، للاتفاق على تنظيم عملية التغيير الديمقراطي في شمال إفريقيا، تحت قيادة جماعة "الإخوان المسلمين"، ودعم أميركا لهذا العملية. الأرض يتم تمهيدها للعبة كبيرة وخطيرة، والمعركة في مصر وحولها سوف تحسم الموقف لعقود طويلة قادمة.. فهل نرتب أوراقنا جميعاً على هذا الأساس؟!