ربما تكون شهادتنا في عدالة قضائنا مجروحة لدى البعض، ولا بد لها من شهادة شاهدي عدل ترفع عنها شبهة المصلحة أو التحيز، إلا أن الحرج يُرفع حين يكون الواقع شاهد إثبات لا يجامل في مثل هذه القضايا، وحين يكون القائمون على القانون أوصياء على العدل وتحقيق العدالة، مستظلين بالحماية والحصانة ما دام القانون هو المحكّم، فـ"العدالة للجميع ولا أحد يعلو فوق القانون"، كما أكد ذلك مرارا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.

الواقع يقول بجلاء إن رأس المال، كما يقول المحللون الاقتصاديون، لا يركن ولا يطمئن إلا إذا وجد البيئة المناسبة لأمانه واطمئنانه، بحيث يسير في ميادين الاستثمار والعمل والأرباح تحت مظلة من الأمن القانوني السائد الذي لا يهدد - ولا بكسر في المئة - سلامته، ويجعله بدل أن يكون جباناً رعديداً يخشى المفاجآت، يتحول إلى رأسمال شجاع مبادر.

ولذلك فإن التدفق الواضح والمتزايد لشتى الاستثمارات، العالمية والعربية والإقليمية، يترجم ويشهد على قوة الإطار العام للتشريعات والقوانين التنظيمية في الدولة عموماً ودبي خصوصاً، حيث تؤكد المنابر الحقوقية والقانونية والتشريعية في الإمارة، أنه يجري باستمرار العديد من عمليات التحديث والتطوير للقوانين والتشريعات؛ في القطاعات المدنية، والتجارية، والصناعية، والمصرفية، وكذلك العقارات، والهجرة، وقانون العمل والعمال.

هذا المنتج الأخلاقي التشريعي القانوني، لا يقوم بذاته إلا إذا رعته متابعات ومناقشات مستمرة، تجعل من هذه الثمرة الإنسانية شجرة متواصلة الثمار دائمة الخضرة، عبر تطبيق كل ما يضمن الارتقاء بمستوى العدالة، والتميز التشريعي، والنزاهة القانونية.

ففي محاكم دبي تتعدد إجراءاتها التطويرية عبر المرافعات والمتابعات، من خلال استراتيجية التحول الإلكتروني، حيث أصبح القاضي ينجز مهامه في القضايا المعروضة عليه إلكترونياً، وكذا المحامي الذي يترافع في هذه القضايا.

كما تتم مراقبة الأداء الداخلي في المحاكم إلكترونياً لتحقيق الريادة في العمل، وبإزاء ذلك نجد تغذية متواصلة من خلال جلسات من الحوار التشريعي القانوني، عبر ملتقى "حوار العدالة"، الذي نظمت فعالياته مؤخراً محاكم دبي بالتعاون مع جمعية الإمارات للمحامين والقانونيين، ليتقاسم فيها مهمة التطوير والبحث والمناقشة بمشاركة فعالة وتعاون مشترك، كل من جمعية الإمارات للمحامين والقانونيين التي ينضوي تحت لوائها قرابة 500 محام مواطن، وما بين محاكم دبي، مشكلين بشراكتهم الرئيسية قاعدة من قواعد العدالة في الإمارات.

حوارات العدالة هذه، تعمل على تعزيز جسور التواصل بين القيادات القضائية في الدولة وبين المحامين والقانونيين، للمحافظة على المكانة والسمعة الرفيعة التي يتمتع ويمتاز بها النظام القضائي في دبي.

هذا هو الشاهد الواقعي على جدارة قضائنا ومحاكمنا بلقب التميز والنزاهة، ما دام هاجسه الوصول بأدائه إلى أعلى درجات العدالة، بجعلها محوراً للحوار الدائم والنقاش المستمر، لتحسين الأداء والحفاظ على المكتسبات ورأب الصدوع الناشئة في مسيرة العمل القضائي مهما كانت صغيرة.

ثم إن الشاهد الآخر/ هو الدعم القيادي المستمر الذي يمنح الحصانة للقضاة/ بل ويحثهم على تلمس أحوال المتقاضين بأرقى المعايير الإنسانية/ بعيداً عن جمود بعض نصوص القانون أحياناً حين الوقوف على حرفيتها، فروح القوانين هي إشاعة العدل وإنصاف المظلومين ولو بكلمة.

وهنا نجدنا واقفين باحترام أمام توجيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في أحدث زياراته لمحاكم دبي حين أكد ضرورة الاتصال المباشر والتنسيق المستمر ما بين القضاة، لتلافي الوقوع في الخطأ وحل القضايا العالقة بالسرعة الممكنة وتجنب تراكمها، معتبراً سموه أن لا شيء مستحيل، وأعظم الأمور يمكن حله بأبسط الأفكار أو المقترحات إذا كان هناك تشاور وتنسيق كامل بين رؤساء وقضاة المحاكم والإدارة العليا، معلناً على أسماع العالم بلسان الواثق الصادق، أن محاكم دبي صرح من صروح العدل وحماية حقوق الإنسان في بلادنا، ويجب احترامها والوثوق بنزاهتها.

مهمة ليست مستحيلة إذا صدقت النوايا واشرأبت الأعناق إلى شجرة العدالة الوارفة لا تحيد عنها، لأن العدل كما تقرر قوانين الاجتماع الإنساني هو أساس العمران، ولا تقوم الحياة المستقرة الحضارية الناجحة إلا على موازين العدل.