يتعذر على المهتم بقضايا الوطن أو المواطن، متابعة الكم الهائل من زخم الفعاليات والإنجازات والمبادرات والمشروعات الإنمائية والخدمية، التي يتم الإعلان عنها من حين إلى آخر، متمثلة في العديد من البرامج والمشروعات التي في مجملها تهدف إلى رفعة الوطن وخدمة المواطن، تحقيقاً لوعود سابقة قطعتها القيادة.

فإذا بها تتحول من أفكار إلى مشروعات إنمائية ذات أهداف تم التعريف بها، علماً أن معظمها كان قد ورد ضمنياً في سياق استراتيجية حكومة الإمارات عبر الخطط التشغيلية، وها هي القيادة الرشيدة تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنها توفي بما وعدت، وأن المواطن كان وما زال يحتل سلم الأولوية في بنود خطة الحكومة الاتحادية، ذلك أن الموطن كان وسيظل أيضاً وسيلة تحقيق التنمية وهو غايتها..

والقارئ لاستراتيجية حكومة الإمارات انطلاقاً من رؤيتها ورسالتها وقيمها وأهدافها، لا يفوته إدراك أن الهدف النهائي وراء إعداد الاستراتيجية، لم يكن ترفاً فكرياً لذر الرماد في العيون أو لإيهام الناس بأن الدولة تزرع لهم أوهاماً!

فقد أثبتت التجارب أن الاستراتيجية التي طرحها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، في مايو 2006 وطالب كل المؤسسات والجهات التابعة لحكومة الإمارات بأن تبادر بإعداد خطط استراتيجية تساير نمط استراتيجية الدولة.. قد تم بالفعل وضع خطط تشغيلية لتنفيذ مقاصدها على أرض الواقع.

كما أثبتت كل الوقائع والدلائل أن الدولة تجاوزت أهداف الاستراتيجية بمراحل، بعد مرور ست سنوات على إطلاقها، وذلك من خلال سلسلة من المبادرات والمشروعات الإضافية التي لم تكن مضمنة أصلاً في الاستراتيجية، يتعذر حصرها في هذه المقالة. وتكفي الإشارة إلى "أبشر" كآخر مبادرة تم إطلاقها، وتبدو أهميتها في حجم النتائج التي تنجم عن تطبيقها.

تتمحور "أبشر" كمبادرة حول إعلاء قيمة رأس المال البشري والارتقاء بقدرات المواطن لتحسين أدائه الوظيفي والمهني، ليسهم بفعالية في عمليات الحراك التنموي في هذا الوطن المعطاء. ويدرك المهتم أن "أبشر" جاءت تحمل البشرى لكل مواطن لديه الرغبة والقدرة للمشاركة بفعالية في تطور وتقدم هذا الوطن.

"أبشر" ليست رشوة للمواطن لكسب ولائه وانتمائه للوطن وللقيادة الرشيدة، بل هي دعوة ذات مقاصد اقتصادية واجتماعية، تستوعب طاقات الدوائر الحكومية والقطاع الخاص ومنظمات وجمعيات المجتمع المدني، لأن هدفها الأساسي هو إتاحة فرص العمل في شتى القطاعات وفي مختلف إمارات ومناطق الدولة، عبر تبني سياسات عملية وبناءة تم وضعها لتخلق مناخاً في سوق عمل محفز وجاذب للشباب من المواطنين، وعلى نحو يزيل الفجوة في الأجور بين القطاع العام والقطاع الخاص.

ولا سبيل إلى ذلك إلا بتوفير مظلة تشريعية من شأنها تحفيز الشباب للعمل لدى القطاع الخاص بشروط مجزية. ومعلوم أن القطاع الخاص، كما نصت الاستراتيجية، أصبح شريكاً استراتيجياً للقطاع العام، ومن ثم فإن نجاح "أبشر" رهين في تقديري بعوامل ثلاثة، تتمثل في الآتي:

أولاً؛ دراسة وتحليل واقع سوق العمل في الدولة حاضراً ومستقبلاً. ثانياً؛ ضمان مشاركة وتفاعل القطاع الخاص لضمان نجاح مبادرة "أبشر" عبر تفعيل الشراكة مع القطاع العام. ثالثاً؛ الحاجة إلى تكثيف الدورات التدريبية للمواطنين، خصوصاً من هم في أمس الحاجة للتدريب المكثف والمستمر.

ومن جهة أخرى، يلاحظ القارئ لحيثيات "أبشر" أنها اختلفت من حيث الشكل والمضمون عن كل مبادرات التشغيل السابقة، لسبب رئيسي وهو أنها جاءت نتيجة دراسة تحليلية معمقة، اعتمدت على قراءة إحصائية لأعداد المواطنين الباحثين عن عمل.. فضلاً عن دراسة واقع سوق العمل بكل تجلياته وإسقاطاته الاقتصادية والاجتماعية.

ولعلي أتفق مع الرأي القائل إن نجاح هذه المبادرة يتوقف على مدى تفهم وتفاعل وتعاون كل الشركاء، عبر تفعيلهم لمذكرات التفاهم التي تم التوقيع عليها معهم، كما أرى أن المبادرة في مجملها تنعش وتغذي الاستراتيجية الوطنية، وتخدم البعد التطبيقي لاقتصاد قائم على المعرفة..

 كما تؤسس قاعدة متينة لمفهوم التنمية المستدامة، التي تتوسع فيها الخيارات أمام الأجيال القادمة. و(أبشر) من منظور آخر، تمثل إطاراً للتنافسية بين الشباب، وتولد الدافعية للجادين الباحثين عن عمل، إذ تبين أن هنالك شواغر بلغ عددها نحو 1733 وظيفة لهذا العام، متبقية من إجمالي 1898 وظيفة جاهزة في انتظار من يشغلها على مستوى إمارات الدولة.

ومن جهة أخرى "أبشر" لا مكان فيها للكسالى والمتبطلين والحالمين بالجلوس على طاولة مدير عام من دون مؤهل أو خبرة. "أبشر" في ظني آلية مبتكرة لتوطين الوظائف الإدارية والمهنية، التي ظلت حكراً على الوافدين لربع قرن من الزمان.

بقيت نقطة أخيرة لم ترد أي إشارة إليها مع أهميتها في سياق هذه المبادرة الطموحة، وهي أن مبادرة "أبشر" ببعديها الاقتصادي والاجتماعي، تعد في تقديري أول خطوة استباقية جادة في اتجاه إصلاح الخلل في التركيبة السكانية.

ومن هذا المنطلق لا تعتبر "أبشر" مجرد مبادرة، بل أراها استراتيجية شاملة لتنمية رأس المال البشري، ودعوة صريحة للمواطن لإثبات جدارته ليساهم في دفع عجلة التنمية المستدامة في هذا الوطن المعطاء. واقترح أن يترك باب "أبشر" مفتوحاً على مصراعيه، لتتاح الفرصة لمؤسسات الدولة الرسمية وشركات القطاع الخاص والمنظمات والجمعيات، لتتخذ من التدابير والإجراءات ما يؤكد تفاعلها مع المبادرة، عبر الإسهام في ترسيخ مفهوم المسؤولية الاجتماعية.