هي سابقة بلا شك في كل دساتير العالم.. ففي الوقت الذي كان الرئيس المصري محمد مرسي يدعو المواطنين للاستفتاء على مشروع الدستور الجديد، كان يشكل لجنة خاصة لتعديل هذا الدستور!

بعيداً عن كل ما قيل عن بطلان الجمعية التأسيسية التي وضعت الدستور، وبعيداً عن بطلان الإعلان الاستبدادي الذي أصدره مرسي لتحصين هذه الجمعية من أحكام القضاء، وبعيداً عن بطلان صدور مشروع الدستور في غياب كل القوى الوطنية بسبب الاستبعاد أو الانسحاب.

وبعيداً أيضاً عن بطلان الدعوة للاستفتاء على دستور انقسم الشعب حوله.. بعيداً عن ذلك كله، فإن واقعة تشكيل لجنة جديدة لتعديل الدستور، في نفس الوقت الذي يتم الاستفتاء عليه، تجعل من الصعب الحديث عن أي شرعية لدستور يقر من وضعوه أنه غير صالح، وأنه يحتاج للتعديل في مواد أساسية، ويبدأون بالفعل في التعديل قبل أن يجري الاستفتاء!

أمر آخر من خارج صندوق الاستفتاء أيضاً - جاء ليضفي طابع المؤامرة على مشروع الدستور! ويتمثل في شريط الفيديو الذي تم نشره للقيادي السلفي ياسر البرهامى، والذي كشف فيه عن كيفية التآمر في عملية صنع الدستور، وتحدث عن استخدام الإسلاميين للصفقات لتمرير ما يريدونه، وأكد أن الدستور الجديد فيه «قيود على الحريات لم توجد من قبل في أي دستور مصري».

وأوضح أنه وحلفاءه نجحوا في فتح الطريق من خلال ما فرضوه في الدستور الجديد - للسيطرة على الأزهر الشريف، والتخلص من الإمام الأكبر، ولإصدار قوانين تفرض الرقابة على الصحف، وتعيد الحبس في قضايا النشر، ولتطويع القضاء ومحاكمة الناس، استناداً للدستور وليس للقانون!.

الفيديو المثير لم ينشر إلا بعد الاستفتاء، رغم أن ناشطين سياسيين يقولون إنه كان متاحاً قبل الاستفتاء، لكنه حجب عن قنوات التليفزيون!.. وهو في النهاية يؤكد ما ذهبت إليه المعارضة، من أن تآمراً داخل الجمعية التأسيسية أجبرها على الانسحاب، ويؤكد أن الدستور الجديد ليس دستور الثورة، ولا حتى دستور الدولة المدنية، بل هو الدستور الذي أرادته هذه الجماعات لتنفيذ خطتها في فرض الدولة الدينية التي يرفضها صحيح الإسلام، ولا تعني إلا الديكتاتورية، وهي تتستر - زوراً وبهتاناً - وراء الدين الحنيف!.

لقد تصور الإخوان وحلفاؤهم أن حسم معركة الدستور لصالحهم سوف يجهز على المعارضة، لكن العكس هو ما حدث بعد ذلك.. فرغم كل الضغوط والانتهاكات التي تمت، خاصة في المرحلة الثانية من الاستفتاء، فإن النتائج تقول بوضوح إن الانقسام في المجتمع يترسخ، وإن نفوذ المعارضة يتزايد، وإن استخدام الإخوان لكل أساليب الحزب الوطني السابق في الانتخابات.

بالإضافة لعامل استغلال الدين ومنابر المساجد.. كل ذلك لم يضمن لهم فوزاً كاسحاً كانوا يأملونه. فمن شاركوا في الاستفتاء كانوا أقل من ثلث الناخبين المقيدين (32 % فقط)، والدستور تم تمريره بموافقة 20% من المقيدين في جداول الانتخابات، مقابل معارضة 12%، في حين لم يشارك في الاستفتاء 68% من الناخبين، وهو ما يشير إلى أن الأغلبية (80%)، لم تر في هذا الدستور ما يلبي طموحاتها! وهو أيضاً ما يجعل الوضع بعد الاستفتاء أكثر سوءاً مما كان قبله.

فعلى الأقل، كان الأمل حتي اللحظة الأخيرة - أن يتراجع الرئيس مرسي وحزبه وجماعته، وأن يتقدم خطوة للتوافق مع المعارضين، وأن تتم مراجعة الأمر، ليكون دستور مصر من صنع المصريين جميعاً، ومعبراً عنهم. لكن الإصرار من جانب مرسي وجماعته - على المضي قدماً، ظناً منهم أن تمرير الدستور سيحسم المعركة لهم، جعل انقسام المصريين يترسخ، ووضع الرئيس وجماعته وحزبه وحلفاءه في موقف صعب.. فهم الآن مع دستور يعترفون أنه حافل بالمواد الكارثية التي تحتاج لتعديل.

ويشكلون بالفعل لجنة لوضع التعديلات المطلوبة. وفي نفس الوقت، يريدون استخدام الدستور لتحصين مواقعهم، ولإصدار القوانين التي تشدد قبضتهم على الدولة.والملاحظ هنا، أنه مع إعلان نتيجة الاستفتاء، كان الإعلان عن الوضع الحرج للاقتصاد المصري.

وكان الكشف عن تقارير دولية عديدة تحذر من المخاطر الشديدة إذا استمر التوتر السياسي، وانعكاسه على الاقتصاد. وكانت كل أجراس الخطر تدق مع تراجع الجنيه المصري أمام الدولار، وانخفاض الاحتياطي من النقد الأجنبي، وتزايد العجز، مع استمرار تراجع الموارد بتوقف السياحة، وتوقف عجلة الإنتاج.قد يكون هنا جانب من تضخيم الخطر، لكن الحقيقة أن المخاطر تزداد،.

والوضع خطير بالفعل. والمشكلة أن مرسي والإخوان لا يملكون بدائل حقيقية قادرة على مواجهة الموقف ولا رؤية واضحة، ولا كوادر اقتصادية تدرك أن إدارة دولة بحجم مصر تختلف كثيراً عن إدارة «سوبر ماركت» أو تجارة العملة في السوق السوداء!ولا حل إلا بأن يدرك مرسي حجم الكارثة التي تنتج عن المضي في مخطط الجماعة للهيمنة على مصر، وأن يسرع بالتوافق على حكومة إنقاذ وطني، للتعامل مع الموقف الخطير بكل جوانبه.