بينما سمع العديد من الناس عن ابن بطوطة، باعتباره أحد أعظم الرحالة في عصره، يظل اسم ابن جبير أقل شهرة بكثير، لا سيما خارج العالمين العربي والإسلامي. لكن ابن جبير كان رجلاً رائعاً، وحياته تستحق أن تعرف على نطاق أوسع بكثير. واسمه الكامل هو أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير الكناني، رغم أنه يشار إليه على الدوام باسم ابن جبير. ولد في عام 1145 م في بلنسية، إحدى أكبر مدن إسبانيا، والتي ما زالت موقعاً مفضلاً للسياح في عصرنا الحديث.

وعلى الرغم من أنه لم يولد لعائلة أرستقراطية من عائلات عصره، إلا أنه تمكن من الوصول إلى منصب كاتب حاكم غرناطة المنتمي إلى الموحدين، وغرناطة هي المدينة التي قد تكون اليوم من أهم ما تبقى من الوجود العربي الطويل في إسبانيا.

وحادثة من الحوادث الأكثر استثنائية، كانت هي التي تسببت في رحلاته الأولى. فقد استدعاه الحاكم لكتابة رسالة له، وقدم له أثناء ذلك بعضاً من النبيذ ليشربه، وكان ابن جبير رجلاً متديناً، فرفض أن يشرب الخمر التي قدمت له، ما أزعج الحاكم، الذي أمر بأن يشرب ابن جبير ما لا يقل عن سبع كؤوس من الخمر. وخوفاً مما قد يفعله الحاكم به إذا رفض تناول النبيذ، شرب ابن جبير الكؤوس السبع التي أمر باحتسائها.

ورغم أن هذه الحادثة كانت مهمة جداً بالنسبة لحياته المستقبلية، إلا أن ابن جبير لا يذكرها في كتابه، الذي منحه عنواناً بسيطاً هو «الرحلة»، ولم يتسن لنا معرفة هذه الحادثة إلا في القرن السابع عشر، عندما تم العثور عليها مسجلة في الكتاب الشهير للمقري «نفح الطيب».

ويبدو أن الحاكم ندم على طريقة تعامله مع ابن جبير، وعوض له عن ذلك بأن أخذ الكأس التي أجبر ابن جبير على أن يشرب منها سبع كؤوس من الخمر، وملأها بالدنانير الذهبية سبع مرات.

لكن القصة لا تنتهي هنا، لأن ابن جبير كان رجلاً حساساً، واستمر في الشعور بأنه ارتكب خطيئة جسيمة بسبب شربه الخمر. لذا قرر أن يصلح ما قام به، من خلال القيام برحلة حج إلى مكة المكرمة، مستخدماً النقود الذهبية التي أعطاها له الحاكم ليدفع تكاليف الرحلة.

لذا، في عام 1183 م، ترك ابن جبير موطنه الأصلي وغاب عن إسبانيا لمدة سنتين ونيف، وهذه كانت تعتبر فترة قصيرة بالمقارنة مع أسفار الرحالة العظيم المشهور ابن بطوطة، الذي كانت رحلاته في القرن الرابع عشر. ويشير ابن جبير في هذا الكتاب كثيراً، إلى صلاح الدين الأيوبي الذي يكن له إعجاباً كبيراً.

وتجدر الإشارة إلى أن معظم أسفار ابن جبير كانت تجري على متن سفن مسيحية، علماً بأن العالمين الإسلامي والمسيحي كانا في حالة حرب في تلك الفترة. لكن كما لاحظ أحد الكتاب الإنجليز: «كان الجنود منشغلين في حروبهم، فيما الناس كانوا في سلام».

وفي الواقع، قام ابن جبير برحلته عندما كانت قوة المسلمين في صعود، تحت قيادة القائد العظيم صلاح الدين. واستمرت الحرب بين الصليبيين وقوات صلاح الدين الأيوبي خلال رحلة ابن جبير، ولم يتحقق النصر العظيم لصلاح الدين الأيوبي في معركة حطين الشهيرة، إلا بعد عودة ابن جبير إلى إسبانيا. ولم يرُق له المسيحيون، لكنه كان يسافر على متن السفن إلى جانبهم، لأنه لم تكن هناك سفن أخرى متوفرة.

كما أن ابن جبير كان لديه خوف غريزي من البحر، وفي رحلاته كان ضحية عدد من العواصف الرهيبة، التي قضى فيها العديد من الركاب المرافقين له في رحلاته.

والمغامرة الأسوأ في البحر بالنسبة لابن جبير، حدثت على شاطئ «مسينا»، في رحلة العودة إلى إسبانيا، وكانت الريح شديدة إلى درجة أن السفينة التي كان على متنها جنحت على شاطئ صقلية. ورغم محاولات القبطان إرساء السفينة، إلا أنه لم يفلح في ذلك، ويبدو أن الركاب المسيحيين استسلموا لليأس، فيما المسلمون أسلموا أمرهم لله عز وجل.

وأخيراً، انتهت العاصفة، وتم إنقاذ ركاب السفينة المنكوبة من قبل مراكب صغيرة أرسلت إليها، وقام ملك جزيرة صقلية بمنح مساعدة نقدية كريمة، لمساعدة المسلمين الذين لم تكن لديهم الأموال ليدفعوا مقابل إنقاذهم.

ولقد شملت رحلة ابن جبير المدينتين المقدستين، مكة المكرمة والمدينة المنورة، كما شملت بعضاً من أعظم المدن الإسلامية، مثل الإسكندرية والقاهرة وبغداد ودمشق. ويزودنا ابن جبير بقصص شخصية ممتعة عن زياراته إلى تلك المدن، ويشير باشمئزاز إلى أن إجراءات الجمارك في تلك الأيام لم تكن صارمة فحسب، وإنما تفتقر إلى الأمانة أيضاً، حيث كانت تسرق ممتلكات كثير من المسافرين.

وكان الرحالة الكبير دقيقاً في أوصافه، لا سيما في وصفه للمدن التي زارها، حيث كرس اهتماماً خاصاً لهندستها المعمارية. كذلك زود قراءه بوصف كامل للمنارة الشهيرة في الإسكندرية، التي أعجب بها كثيراً. وطبعاً، منح المدينتين المقدستين مكة والمدينة اهتماماً خاصاً، حيث كانتا الهدف الرئيس لرحلته. وهو يدخل في تفاصيل أوصاف المدينتين المقدستين، فيصف عمق مياه بئر زمزم، ويقول إنه يبلغ سبع مرات طول الإنسان.

ولقد وصف الآخرون كتابه بأنه «العمل الأول والأفضل من نوعه«، وبأنه «خدم كنموذج لرحلات حج عديدة أخرى».