أكتب قبل يومين من الجولة الثانية في الاستفتاء على الدستور في مصر، وليس مؤكداً ـ حتى اللحظة التي اكتب فيها ـ إن كانت هذه المرحلة ستتم أم لا! وذلك بعد توالي الاعتذارات الجديدة من القضاة عن المشاركة في الإشراف على الاستفتاء، ليصبح توفير العدد الكافي محل شك كبير.
وبفرض نجاح السلطة في إجراء المرحلة الثانية للاستفتاء المقرر إجراؤها أمس السبت، فإن مشروعية الاستفتاء، وبالتالي مشروعية الدستور الجديد ستظل محل تشكيك، وإن كانت نتائج المرحلة الأولى، وما شهدته من أحداث، كافية ـ بحد ذاتها ـ للإقرار بأن الأزمة مستمرة، وبأن انقسام مصر إلى فريقين تباعدت بينهما السبل قد أصبح حقيقة واقعة، وأن الصدام واقع لا محالة إذا لم تحدث معجزة.
وأن نتيجة الاستفتاء على الدستور لن تحسم الأمر، بل ربما زادت الأمور تعقيداً. لقد استخدم "الإخوان المسلمون" وحلفاؤهم من الجماعات الإسلامية، كل ما لديهم من أسلحة لحسم المعركة حول الدستور، باعتبارها الباب السحري لفرض دولتهم وتأكيد سيطرتهم على مفاصل الدولة في مصر. استخدموا سلطة الحكم التي آلت إليهم مع مجيء مرسي للرئاسة، ومع حكومة تدين لهم بالولاء، ومحافظين قاموا بتعيينهم.
واستخدموا سلطة المال الذي لا يخضع لرقابة، والذي ينفق لشراء الأصوات في المناطق الفقيرة. واستخدموا منابر المساجد للدعاية من أجل التصويت بـ"نعم" للدستور، حتى ضج بهم المصلون وشهدنا اعتراضات المصلين على خطباء الجمعة، واشتباكات داخل المساجد وصلت لحد حصار بعضها وخروج أئمتها في حراسة الشرطة! واستخدموا إرهاب الإعلام والقضاء في محاولة لإسكات أي صوت معارض، واستخدموا التهديد بالقتل، بل وممارسته في أحداث الأربعاء الدامي عند مقر الرئاسة، حيث أدى الاعتداء على المتظاهرين المسالمين إلى عشرة قتلى ومئات المصابين!..
ثم استخدموا سلاح "المؤامرة" الذي بدأ محلياً مع اتهام فلول النظام السابق، ثم انتهى بهذه الحكاية المضحكة عن تآمر المعارضين الذين حاصروا مرسي في مقر الرئاسة، بأنهم كانوا جزءاً من مؤامرة أكبر لاختطاف الرئيس، الذي كان في متناول من تظاهروا بمئات الآلاف أمام قصر الرئاسة لو أرادوا!
وحتى عندما هددهم الداعية الإخواني يوسف القرضاوي بأن رفضهم للدستور المقترح والباطل، يعني ضياع استثمارات قطرية تزيد على عشرين مليار دولار، لم يكن ذلك إلا إهانة كان من الطبيعي أن يرفضها شعب مصر وهو يذهب للتصويت على مشروع دستور يعرف أنه باطل، ويعرف أيضاً أن من وضعوه يريدونه وسيلة لإحكام قبضتهم على شعب ثار من أجل الحرية والكرامة.
فإذا به يواجه من يريد إعادة إنتاج الاستبداد بصورة أسوأ، تحت دعوى حكم الإسلام البريء من كل هذه الجرائم. فمصر لم تكن قبل الثورة معادية للإسلام، ومصر لن تكون بعد الثورة أفغانستان أخرى، ولن تحكمها الفاشية حتى لو حاولت التخفي برداء الإسلام البريء مما يفعلون.
نتيجة المرحلة الأولى من الاستفتاء كانت صادمة للإخوان وحلفائهم، فرغم كل المخالفات التي جرت أثناء عملية التصويت، وغياب الغالبية العظمى من القضاة الذين قاطعوا الإشراف على الاستفتاء، فإن النتيجة تقول إن ما يقرب من نصف من تكمنوا من الإدلاء بصوتهم تقول "لا" لهذا الدستور الباطل، والذي أعدته جمعية تأسيسية مقطوع ببطلانها، وفي غياب كل القوى الوطنية ما عدا قوى الإسلام السياسي وحدها.
كانت النتيجة أيضاً تقول إن العاصمة "القاهرة" بسكانها الذين يقتربون من العشرين مليونا، وبمركزيتها التي تتحكم في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية، قد قالت "لا" بنسبة كبيرة، وأن النسبة الأكبر من الأصوات المؤيدة للدستور المقترح جاءت من أفقر المحافظات في صعيد مصر.
وكان أول ردود الفعل على المرحلة الأولى من الاستفتاء، هو فضيحة الهجوم بالأسلحة النارية وقنابل المولوتوف على مقر حزب "الوفد" وصحيفته، من جانب أنصار أبو إسماعيل المرشح المستبعد من انتخابات الرئاسة الماضية، وأحد أبناء جماعة الإخوان سابقاً وحليفها الآن.
واقترن الهجوم على الوفد (الحزب والصحيفة)، بتهديدات أخرى باقتحام مقر التيار الشعبي الذي يقوده حمدين صباحي، ومقرات عدد من الصحف المستقلة، بل واقتحام مقر قسم شرطة الدقي المقابل لفندق شيراتون والقريب من مديرية الأمن، مما اضطر وزير الداخلية للذهاب بنفسه مع تعزيزات عسكرية كبيرة لمواجهة الموقف.
ورغم ما أثاره ذلك من مخاوف بفقدان السيطرة على الشارع وتركه للميليشيات، فقد كان واضحاً أن هناك رسالة يراد لها أن تصل للجميع، وهي أنه لا تراجع عن الطريق الذي يسير فيه الحكم وهو يحاول فرض هيمنته الكاملة على الدولة، حتى لو رفضت الغالبية العظمى من الشعب ذلك. لكن الرسالة لم تحقق ما هو مطلوب منها من إثارة الفزع على الجانب الآخر.
فجبهة الإنقاذ أعلنت أنها ستخوض المرحلة الثانية من الاستفتاء، رغم أنها تعتبره استفتاء باطلاً. والصحافة المستقلة تمسكت بمواقفها الرافضة لمخطط اغتيال الدولة المدنية، والقضاء واصل الدفاع عن استقلاله، والمزيد من الهيئات القضائية يعلن مقاطعة الإشراف على الاستفتاء في المرحلة الثانية.. ورغم ذلك يصرون على استكمال الاستفتاء على دستور يرفضه نصف الشعب!
إن كل ما نجح فيه الحكم الإخواني حتى الآن، هو تقسيم مصر إلى فريقين تتباعد بينهما المسافات يوما بعد يوم، ووضع البلاد على شفا الهاوية..
في ظل هذه الأوضاع تأتي معركة الدستور الذي يتم تسويقه باعتباره الوصفة السحرية للاستقرار المنشود!.. وقد كان ذلك محتملاً لو أن الدستور المقترح كان محل توافق، ولكنه ـ للأسف الشديد ـ تحول إلى وسيلة لتأكيد الانشقاق، بسبب الهوس الإخواني بالهيمنة على كل مقدرات البلاد وجرها لتتحول إلى الحكم الديني بدلاً من الدولة المدنية، وهو ما ترفضه الغالبية العظمى من شعب مصر. حتى لو تم تمرير مشروع الدستور من خلال هذا الاستفتاء، فلن يكسبه ذلك الشرعية المطلوبة، وبالتالي سوف يظل الصراع مفتوحاً..
في لحظة حاسمة من تاريخ مصر، امتلك فيها "الإخوان المسلمون" التنظيم والإمكانيات المادية والدعم الأميركي، اختاروا أن يلعبوا اللعبة بقاعدة: "إما كل شيء أو لا شيء".. وبالتأكيد لن يحصلوا على كل شيء!