لا ينكر محلل أو راصد أن مكانة الدول ومدى ما تحجزه من الساحة الإقليمية والعالمية، إنما يكون من خلال مواقفها من القضايا العالمية الكبرى التي تشغل الرأي العام، وتشكل بالنسبة إليه أرقاً استراتيجياً أو قلقاً محدقاً، فعندها تظهر في المقدمة تلك الدول التي تحسن ريادة الرأي العام ومساندة الجهود العالمية للوصول في تلك القضايا إلى جادة القرارات الحصيفة.
ولعل من أبرز القضايا التي تشغل الرأي العام العالمي اليوم، هو تنامي الإرهاب، وكثرة أسبابه ودواعيه ودوافعه، بل وأخطر من ذلك وجود بعض ضعاف النفوس الذين يركبون موجته لتحقيق مصالحهم الخاصة، لا يبالون بتأثير خطرهم في تماسك المجتمعات وفي جهود التنمية أو الحضارة والتطور.
والإمارات أثبتت وتثبت كل حين، أنها في مقدمة المهتمين بهذا الخطر العالمي، وتدرك حقيقة وجدوى تكاتف الجهود العالمية في التصدي له، ووضع البرامج والخطط الكفيلة بتجفيف منابعه.
وذلك لأن الإرهاب كما ترى فلسفة الإمارات السياسية والحضارية، عدو لكل ما هو اجتماعي وإنساني، في كل زمان ومكان، وهو يتخذ من الأفكار الإقصائية الأحادية سبيلاً للتفكير، أو ينتهز انفتاح الدول وقبولها للآخر، ليجعل من ذلك مطية لتدمير الاقتصاد وزعزعة ثقة الناس برأس المال والاستثمار، وهو إرهاب اقتصادي لا يقل خطورة عن الإرهاب الفكري أو السياسي.
قبل أيام احتضنت الإمارات الاجتماع الوزاري الثالث لأعضاء «المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب»، الذي ضم العديد من أرباب الفكر والسياسة والعمل الدبلوماسي، من الدول العربية والأجنبية وممثلي الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، لتبادل الرؤى والأفكار تحت مظلة دولة الإمارات، حول خطر الإرهاب على الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، والبحث في آليات تعزيز التعاون والجهود المشتركة لمكافحته.
وبغض النظر عن النتائج التي خرج بها هذا الاجتماع، وهي بلا شك خطوات ناجحة على طريق مكافحة هذه الآفة العالمية، فإن الاجتماع يعد رسالة واضحة تدل على الثقة العالمية والعربية الكبرى في جدارة الإمارات بريادة العمل على مكافحة الإرهاب، كما أنه يشكل دليلاً واضحاً على سلامة النهج الذي تتبناه الإمارات بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، القائم على جوهر السلام في الوسائل والغايات، ونبذ العنف والإرهاب مهما كانت دوافعه، وعدم القبول بأي مساس بالأمن العام والاستقرار الاجتماعي مهما كانت مبرراته، ما دام أنه يتناقض مع أبسط مبادئ حقوق الإنسان.
هذا المعنى أكده سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية، خلال المنتدى، حين أكد هذا التوجه وقال: «شرف للإمارات أن تعمل على تنسيق جهود المجتمع الدولي في سبيل التخلص من تهديدات الإرهاب والتطرف العنيف في العالم».
نعم إنه شرف كبير أن تكون الإمارات واسطة العقد العالمي واِلإقليمي، لوضع برامج وحلول لمختلف القضايا التي تؤرق العالم.
ولا بد مع ذلك من تبيان جوهر التصور الإماراتي لمكافحة الإرهاب، ونظرتها إليه على أنه ظاهرة مية اجهود اولية واقليمية ربتها، ولا تستطيع أية دولة بمفردها القيام بمجابهة هذه الظاهرة، فالتعاون الدولي والإقليمي كفيل بأن يحاصر هذه التوجهات اللاإنسانية ويجمد تحركاتها.
ثم إنه لا بد من التأكيد على حقيقة أساسية في التصدي لظاهرة الإرهاب، وهي أن على جميع المجتمعات أن تعمل بشتى مؤسساتها الفكرية والاجتماعية والمدنية، على تأكيد أهمية حقوق الإنسان وجعلها ثقافة اجتماعية عامة، يؤهل فيها الكبير ويتربى عليها الصغير، ذلك أن تعميم ثقافة حقوق الإنسان يضمن تدعيم جهاز المناعة الاجتماعي، بجرعات الوعي اللازمة لصد أي محاولات للعب على وتر تهميش الآخر، فضلاً عن محاربته.
فالمجتمع وعبر شرائحه، لا سيما المثقفة بثقافة حقوق الإنسان، يبقى حريصاً على الدوام لتقديم الإنسان وكرامته وحقه في الحياة على النظرات الاستئصالية، مهما كانت دوافعها أو أوهام دوافعها، وهو ضمان اجتماعي واسع النطاق لتطهير المجتمع من البيئة المساعدة على نمو التطرف أو ولادة ابنه وهو الإرهاب! ويبقى أن نقول إن الإمارات حين تتبنى هذه المفاهيم الإنسانية العالمية، إنما تنطلق في ذلك من إيمانها بالتعايش ا الأديان والثقافات، وورة ا وترسيخ ا وام بين ا، والعمل لضمان أعلى درجات التعاون في النهضة، وأنبل مستويات التعارف والتكاتف بين الشعوب.