لم يكن مفاجئاً للكثيرين نبأ إطلاق مكتب رئاسة مجلس الوزراء، ضمن برامجه وفعالياته الهادفة إلى الارتقاء بكل ميادين العمل التنفيذي والإداري والمهني في الحكومة الاتحادية، دليلاً لتطوير الخدمات الحكومية.. وكنا في مرات سابقة أشرنا إلى أن تنفيذ أهداف استراتيجية الدولة، يتطلب بالضرورة تطوير وتحسين مستوى أداء رأس المال البشري، ذلك أن تطوير العمل في مؤسسات الدولة الاتحادية، لا يمكن أن يتم بإطلاق الاستراتيجيات بما تشتمل من خطط وأهداف، ولكن بوجود الكادر المدرب والقادر على استيعاب رسالة وقيم وأهداف الاستراتيجية، حتى يكون أكثر قدرة على متابعة خطوات تنفيذها.
والقارئ لمخرجات هذا الدليل، يدهشه أن مكتب رئاسة مجلس الوزراء استطاع في زمن قياسي تدريب حوالي خمسة آلاف موظف، وبدء إطلاق دليل لتطوير الخدمات الحكومية للجهات والمؤسسات الاتحادية، بهدف تعزير الجهود التي تبذلها تلك الجهات لتحسين وتطوير خدماتها.
والدليل بالكيفية التي أعد بها، يساعد المسؤولين التنفيذيين والقائمين على تنفيذ أهداف الخطط الاستراتيجية، على التعرف على الاحتياجات الفعلية للشركاء والعملاء وطالبي الخدمة من عامة المراجعين، كما يساعد على تحديد فئات الشركاء ومعرفة احتياجاتهم، سواء عن طريق الهاتف أو عبر الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) أو بالحضور الشخصي.
إن ذلك يؤكد تبني الدولة لاستراتيجية ترقى إلى مستويات خدمات الفنادق 5 نجوم، إذا جاز التشبيه، ولا سبيل إلى بلوغ تلك الغاية إلا عبر حزم من البرامج التدريبية المكثفة، كتلك التي يتولى تنظيمها برنامج الإمارات للخدمة الحكومية المتميزة، ليستفيد منها كل موظفي خدمات المتعاملين في مؤسسات الحكومة الاتحادية، بهدف أساسي هو تجويد الأداء وإرساء أسس جديدة لما يمكن أن نطلق عليه ثقافة الخدمة المتميزة، ونعنى بها إكساب الموظف المعني قيم تقديم خدمات حكومية للشركاء العملاء بمستوى من الأداء المميز.
وهكذا يمكن أن تمضى كل الجهات قدماً في تنفيذ الجوانب التطبيقية المرتبطة باستراتيجية الحكومة الاتحادية. ولضمان الاستفادة القصوى من العملية التدريبية، يتم تقييم أداء كل متدرب عقب نهاية كل دورة، لأن بعض موظفي الجهات يظنون أن أيام الدورات التدريبية فرصة للترويح والتغيب عن العمل بعذر شرعي، وهو فهم خاطئ يمكن تجاوزه عبر تقييم أداء المتدربين.
والمعلوم أن الذين اجتازوا الاختبارات النهائية في الدورتين اللتين تم تنفيذهما، تتراوح نسبتهم بين 39% و95%، وهي نسبة مطمئنة لأن الحصول على شهادة الدورة المعتمدة (شهادة محترف الأعمال) يحتم حصول المتدرب على نسبة 70% على الأقل، ومن لم يحصل على النسبة المطلوبة عليه الاستمرار في متابعة التدريب حتى يحصل على النتيجة المطلوبة.
ومعلوم كذلك أن فريقاً متخصصاً في الخدمة الحكومية المتميزة، يضم نخبة من الخبراء في ميادين تطوير الخدمات الحكومية، يباشر الجوانب المهنية الخاصة بهذه الدورات المهمة، التي نأمل أن تؤتي ثمارها مع مرور الوقت.
وبإطلاق هذا الدليل الذي تزامن مع تدريب الكوادر المواطنة، أصبح بمقدور الوزارات والدوائر الاتحادية تقديم خدمات نموذجية، بسرعة وبمستوى عال من الدقة والانضباط.
والتدريب من هذا المنطلق يهدف إلى ضمان جودة وصحة البيانات، وعلى الموظف التحقق من صحة المعلومات التي قدمها المتعامل ليمضي قدماً لاستكمال الإجراءات المطلوبة في الزمن القياسي، إذ يفترض ألا يتجاوز زمن الرد على أي استفسار عبر التليفون 3 رنات، وألا تزيد مدة تقديم الخدمة عبر التليفون على 10 دقائق، وألا يتجاوز إنجاز المعاملة أكثر من 15 دقيقة، إذا طلبت الخدمة من داخل مركز أو وحدة خدمة العملاء.
ومن جهة أخرى يفترض ألا يحتاج طالب الخدمة لمراجعة الجهة أكثر من مرتين، وعلى الجهة أن توافي صاحب المعاملة بما تم بشأنها، وألا ينتظر طالب الخدمة أكثر من يومين (48 ساعة) لمعرفة ما تم بشأن معاملته، بعيداً عن الواسطة أو أي تفرقة أو تمييز، إلا لذوي الاحتياجات الخاصة والنساء الذين يفترض حصولهم على الأولوية ومنفذ خاص.
ونحن إذ نستبشر خيراً بهذا الإنجاز المهم والضروري، الذي يديره باقتدار مكتب رئاسة مجلس الوزراء، نرى ضرورة التحقق من النتائج العملية لهذه الدورات، وذلك بإجراء اتصالات هاتفية مع عينة عشوائية لبعض مراكز خدمة المتعاملين في الجهات التي تم تدريب موظفيها، فضلاً عن ضرورة القيام بزيارات ميدانية مباغتة لوحدات خدمة العملاء، وذلك للتحقق عملياً من جدوى وفاعلية العمليات التدريبية.
ومن جهة أخرى، نرى ألا يقتصر هذا النوع من التدريب على مسؤولي خدمة العملاء، بل نرى أن يشمل صناع القرار من قياديي الصف الثاني الذين تنام بعض المعاملات في أدراج مكاتبهم لفترة أطول مما هو مقرر، بل تبين من تقارير سابقة أن 65% من الرسائل والخطابات والشكاوى والتظلمات التي يرسلها أصحاب معاملات لتنفيذيين وقياديين في بعض دوائر ومؤسسات الدولة، لا يتم البت فيها ومن ثم لا يتم الرد على أصحابها، وقد تبقى حبيسة الأدراج أو تجد طريقها لسلة المهملات، والشاهد أن صناع القرار الإداري ومن في حكمهم، لم يرد ذكرهم ضمن أجندة خطة تطوير الخدمات الحكومية، وكأن الخدمات الحكومية ينبغي أن تبدأ من قاعدة الهرم لا من قمته.
وقد يتبادر لذهن القارئ سؤال محوري؛ هل يا ترى أن المديرين والتنفيذيين ومساعديهم سيتم إلحاقهم بدورات مماثلة حتى ترتقي الخدمات الحكومية لتشمل جميع منسوبي الدوائر والمؤسسات الاتحادية، سواء المتربعين في أعلى قمة الهرم الوظيفي أو الجالسين عند قاعدته من الموظفين التنفيذيين؟