ربما كان التطور الأبرز في أحداث مصر خلال الأيام القليلة الماضية، هو دخول الجيش المصري مرة أخرى على خط الأحداث السياسية، في وقت تشتعل فيه الأزمة ويشتد الانقسام وتتعرض الدولة كلها لخطر الانهيار.
كان الجيش المصري الذي تولى مسؤولية الحكم عقب تنحي الرئيس السابق مبارك، قد التزم بالابتعاد عن السياسة والتفرغ لمهام حماية أمن البلاد، وذلك بعد "الانقلاب الأبيض" الذي أبعد المشير طنطاوي والفريق سامي عنان، وأنهى وجود المجلس العسكري الذي قاد البلاد على مدى عام ونصف بعد الثورة.
لتذهب قيادة الجيش إلى الفريق عبدالفتاح السيسي، رجل المخابرات العسكرية وأحد كبار مساعدي المشير طنطاوي السابقين، وتذهب مسؤولية الحكم كاملة إلى رئيس الجمهورية المنتخب قبل أسابيع من الانقلاب الأبيض الدكتور محمد مرسي.
ورغم الأزمات المتوالية التي شهدتها مصر خلال الشهور الماضية، كانت قيادة الجيش حريصة دائماً على تأكيد ابتعادها عن أي مسؤولية سياسية، ووقوفها على الحياد في الصراعات بين الفرقاء السياسيين.
واستمر هذا الموقف حتى في الأزمة العاصفة الأخيرة، بعد الإعلان الدستوري الذي أصدره رئيس الجمهورية ليمنح نفسه سلطات فوق القانون، وهو ما أثار موجه الاحتجاجات التي تطورت إلى انتفاضة شعبية هائلة، وإلى مذبحة سقط فيها عشرة شهداء ومئات المصابين، وإلى أزمة طاحنة بعد أن تم تمرير مشروع الدستور في بضع ساعات!
وسط هذه الأزمة حرصت قيادة الجيش على تأكيد تصميمها على عدم التورط في الصراع، وتركت مهمة تأمين مقرات الرئاسة - كالمعتاد - للشرطة ولقوات الحرس الجمهوري (وهي غير تابعة لقيادة الجيش بل لقصر الرئاسة).
وعندما طلب منها تأمين اللجان الانتخابية أثناء الاستفتاء الذي تقرر إجراؤه في الخامس عشر من ديسمبر (أمس)، كان هناك حرص على تأكيد حياد الجيش مرة أخرى، خاصة بعد أن أصدر رئيس الجمهورية مرسوماً بقانون يعطي ضباط الجيش سلطة الضبطية القضائية.. علماً بأن قراراً سابقاً كان قد صدر من حكومة الجنزوري، وأقامت جماعة "الإخوان المسلمين" الدنيا يومها، حتى تم التراجع عنه.
من هنا كان ما حدث يوم الأربعاء الماضي، نقطة تحول مهمة في مسار الأحداث في مصر. فجأة دخل الفريق السيسي وزير الدفاع وقائد الجيش على خط الأحداث، وأعلن عن دعوة كل الفرقاء لاجتماع يحضره رئيس الجمهورية في اليوم التالي، لمحاولة تخطي الأزمة الخطيرة التي تعصف بمصر. وما أن تم الإعلان حتى بدأت حالة من التخبط تعكس حالة الحكم في مصر الآن؛ فالرئاسة تنفي ثم تؤكد (!).
والبعض يتحدث عن علم رئيس الجمهورية المسبق بالدعوة بينما ينفي آخرون ذلك (!)، والحديث في البداية عن حوار يخفف الاحتقان حتى لا تخرج الأمور عن السيطرة، ثم بعد ذلك - يتحول إلى جلسة عائلية لن تناقش فيها القضايا السياسية، كما صرحت قيادات في وزارة الدفاع بعد منتصف الليل!
وبينما كانت المشاورات تتم بين كل الفرقاء، والكل يستعد للاجتماع وينتظر ما إذا كان سيحمل مفاجآت في الموقف، جاء الإعلان من القوات المسلحة عن إلغاء الدعوة الموجهة للقوى الوطنية والسياسية من وزير الدفاع أو تأجيلها لأجل غير مسمى. وكان السبب الذي أعلنته القوات المسلحة لهذا التأجيل أو الإلغاء، هو أن "ردود الأفعال لم تأت على المستوى المتوقع".
بينما قالت مصادر قريبة من قيادة الجيش إن هناك قوى على الساحة من غير المعارضة الرئيسية، أبدت تشككها في نوايا القوات المسلحة من وراء عقد اللقاء، واعتبرته نوعاً من التدخل في الشأن السياسي، ولهذا كان تقدير قيادة الجيش أن اللقاء قد يسبب مشكلات جديدة بدلاً من أن يكون طريقاً للتوافق والخروج من الأزمة.
ورغم ذلك تبقى الدعوة للقاء، ثم إلغاؤه، وما أثير حولها وما سيثار بعد ذلك، إعلاناً لكل القوى على الساحة بأن الجيش على الخط.. صحيح أنه لا يريد أن يكرر التجربة الفاشلة للمجلس العسكري في إدارة البلاد بعد الثورة، والتي أضرت بالجيش وبعلاقته مع الشعب ودوره كحامٍ للثورة.
لكنه في النهاية - لن يستطيع الوقوف ساكناً والدولة تنهار والشعب يتم دفعه إلى الحرب الأهلية. إن المعلومات المؤكدة تقول إن النية كانت جادة لمحاولة عبور الأزمة، وإن المسألة لم تكن مجرد خاطر جاء فجأة، أو دعوة لفنجان شاي وحديث عائلي كما قيل. وهنا يمكن ملاحظة ما يأتي:
إن الدعوة جاءت بعد لقاء بين وزيري الدفاع والداخلية، تم فيه التنسيق بين الجانبين، وأن الأسابيع الماضية شهدت عدة لقاءات بين الوزيرين وبين قيادات الجيش والشرطة لإزالة أي احتقان سابق، وللتعاون الكامل في مواجهة الأوضاع الخطيرة!
إن قيادات المعارضة الرئيسية قد قبلت الدعوة للقاء، وقيل إن البرادعي وعمرو موسي وحمدين صباحي سيحضرون اللقاء. وربما كان هذا مفاجئاً للطرف الآخر الذي كان يراهن على موقف معاكس يمكن تسويقه على أن المعارضة هي التي ترفض الحل ولا تقبل الحوار.
بعد الإعلان الأول عن اللقاء، تأكدت من مصادر مسؤولة أن هناك أملاً في تخطي الأزمة، وأن الموضوع الأساس الذي سيطرح للحوار هو تأجيل الاستفتاء، وأن قيادة الجيش لن تغامر بالدعوة لهذا اللقاء إذا لم يكن هناك طريق للحل.
يبدو هنا أن الرئيس المصري مرسي كان ميالاً للقبول بتأجيل الاستفتاء كطريق لحل الأزمة، ولكن قيادات جماعة الإخوان رفضت هذا التوجه، وزاد من إصرارها على ذلك أن قيادة الجيش هي التي تحاول قيادة السفينة إلى بر الأمان.
إن واشنطن لا تبدو بعيدة عن هذه المحاولة، فهي رغم دعمها المعلن لمرسي ولجماعة الإخوان إلا أن تنامي المعارضة من جهة، وتخبط الحكم من جهة أخرى، يجعلها تبحث عن سبل لإنقاذ الموقف تتجاوز الإدارة الفاشلة للحكم الإخواني. وهنا تنبغي الإشارة إلى أنه للمرة الأولى منذ صعود الإخوان بعد الثورة، نجد في حديث رجل الجماعة القوي خيرت الشاطر قبل أيام، هجوماً على أميركا، بينما كانت السفارة الأميركية تنفي اتهامات إخوانية بأن هناك تشجيعاً أميركياً للمعارضة!
بالقطع، لا يريد الجيش المصري إعادة التجربة المريرة والفاشلة للمجلس العسكري بعد ثورة يناير، فهو يعرف أن ثمنها كان فادحاً عليه وعلى شعب مصر كله، ولا تريد القوى الوطنية أيضاً أن تفتح الباب لحكم عسكري. ولكن عندما تضع الممارسات الفاشية لحكم "الإخوان" مصر بين خيارين: الاستبداد باسم الدين، أو الحرب الأهلية.. عندها فإن هناك حسابات أخرى لإنقاذ مصر!
كاتب مصري