في غمرة إشراقات طلائع شهر ديسمبر، وفي زخم احتفالات دولة الإمارات العربية المتحدة باليوم الوطني الحادي والأربعين، لاحظ المواطنون والمقيمون على أرض هذا الوطن المعطاء، أن مظاهر ثلاثة جعلت احتفالات هذا العام تميزت عن كل الاحتفالات السابقة عليها.. أولها؛ تفاعل المواطنين والمقيمين على أرض الدولة من كل الأجناس وبحماس غير مسبوق، مع المناسبة.
ويشهد على ذلك الكم الهائل من أعلام الدولة التي غطت أسطح مباني الدوائر والمؤسسات الرسمية ورفرفت على مداخل المنازل والبنايات، وبمقاييس وأشكال متعددة أضفت على الأمكنة إحساساً بالفخر والانتماء لهذا الوطن المعطاء.
والشيء الثاني؛ وكأن الطبيعة أبت إلا أن تشارك الناس هذه الفرحة العارمة، فهطلت الأمطار مدراراً وتبدل المناخ، مما أضفى على النفوس شعوراً بالرضا والبهجة والحبور.
أما المظهر الثالث فكان أكثر مدعاة للدهشة والإعجاب، وأعني به مفاجأة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وهي "تهنئة القائد".
ولعلها المرة الأولى في التاريخ المعاصر أن يبعث قائد وحاكم رسالة تهنئة شخصية منه باليوم الوطني، لتصل مباشرة لكل مواطن ومقيم، رجلاً كان أو امرأة شاباً أو كهلاً أو طفلاً.. ذلك أن القاعدة المعمول بها والسالكة في كل دول العالم، سواء في الأعياد الدينية أو المناسبات الوطنية، هي أن يسعى الناس لتهنئة قادتهم، إذ لا يستقيم أن يحدث العكس.
ولكن ولأول مرة، يستن محمد بن راشد سنة جديدة اكتسبت كل صفات التميز.. وأثق أنه لم يسبقه إليها أحد من قادة العالم، بدليل أن وكالات الأنباء الإقليمية والدولية سارعت ببث الخبر، ثم تناقلته بذات السرعة كل الفضائيات والصحافة الإقليمية والدولية، ذلك أن الرسالة كما فهمتها أزاحت لحداثتها كل قواعد البروتوكول والمراسم التقليدية.. كما تجاوزت سلوكيات الجالسين في الأبراج العاجية، والتي يتخندق فيها كثير من الرؤساء.
ولهذا مضت تهنئة محمد بن راشد لتؤسس مفهوماً جديداً في علاقة القائد مع أبنائه وإخوته وأخواته من المواطنين والمقيمين، وقد شاهدت بأم عيني إحدى القنوات العالمية بشيء من الدهشة، تقطع برنامجاً لتذيع على الهواء خبر تهنئة قائد عربي لشعبه بمناسبة اليوم الوطني لبلاده.
وفي تقديري أنها سابقة، وتبقى شهادة للعصر مسجلة وموثقة في دفتر التاريخ المعاصر لدولة الإمارات العربية المتحدة، وممهورة بتوقيع "مبتدرها".. وإنني على قناعة تامة بأن زعماء وقادة آخرين سيتتلمذون، بل سيتعلمون من هذه المبادرة، وعبر المحاكاة سيحاولون التواصل مع شعوبهم عبر رسائل مماثلة، لكن يبقى الفضل لمن بادر وليس لمن قلد وحاكى.
لقد جاء في الرسالة النصية التي تشرفت كغيري بتلقي نسختين منهما باللغتين العربية والإنجليزية، الآتي: "الإخوة والأخوات أهنئكم جميعاً وأهنئ أخي الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، بمناسبة اليوم الوطني لدولة الإمارات، عيد لكل الوطن نتذكر فيه آباءنا المؤسسين بكل فخر ونتطلع فيه للمستقبل بكل تفاؤل".
لقد نزلت هذه الرسالة على الجميع برداً وسلاماً، وكثيرون لفرط سرورهم وانبهارهم حاولوا الرد بالشكر والتقدير والعرفان على مرسل الرسالة، لكنهم لم يجدوا إلى ذلك سبيلاً، لظروف موضوعية ومنطقية في تقديري.
إن ردنا على رسالته لنا، أن نصيغ لسموه رسالة شكر وتقدير وعرفان ووفاء وانتماء، لتكون أطول رسالة من مواطنين لقائد، تطوف كل إمارات الدولة لتحمل توقيعاتنا، وتسلم لسموه في مسيرة مليونية تتقدمها فرق الموسيقى العسكرية وفرق الفنون الشعبية والكشافة والمرشدات وجمعيات النفع العام، وكل فعاليات المجتمع، لتكون رسالة وفاء وتلاحم وانتماء لهذا الوطن ولقيادته الراشدة والرشيدة. وهذا الاقتراح نرجو أن يجد من يدفع به إلى الأمام...
بقي أن أقول إن رسالة القائد قد مست شغاف قلوبنا، لما لها من دلالة قيمية ومعانٍ أخلاقية ومجتمعية، لأنها أولاً وقبل كل شيء جسدت معاني تواصل وانتماء القائد بالمواطن على أرض الواقع المعاش، بدليل أن كل من وصلته الرسالة احتفظ بها باعتبار أنها أرسلت إليه شخصياً من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، حفظه الله.
والرسالة بهذا المعنى النبيل فيها مجموعة من الدروس والعبر، أهمها أن سموه الكريم أراد أن يؤكد أنه "لا وجود لمسافة مفصلية ونسبية بين القائد وشعبه"، كما تعني بعبارة أخرى أنه لا وجود إطلاقاً لخط أحمر يفصل بين الاثنين (القائد ومواطنيه)، لأن القيادة في رؤية محمد بن راشد، بل وكما يمارسها فعلياً، ليست سلطة مطلقة أو كرسياً أو عملاً مظهرياً أو وظيفة مستحقة، بل القيادة الحقة عنده هي رسالة ومسؤولية مجتمعية، ذات مرجعية وقناعة إيمانية تتجسد من خلال التواصل والترابط والتلاحم والتفاعل الخلاق بين القائد ومواطنيه.
وبهذه المناسبة تحضرني هذه الأبيات الشعرية لسموه:
أعياد ناسي وشعبي ما لها ميعاد
في كل ساعة لشعبي والوطن ساعة
أسياد كنا وعشنا في دارنا أسياد
ما نحس بالخوف يوم الناس مرتاعة
وبلادنا ما تسمى في البلاد بلاد
وبلادنا اسمها الفردوس بأنواعه
نطيع رب السماء له خاضعين عباد
من بعد رب السماء للريس الطاعة