في أواخر عام ١٩٦٩ كانت المباحثات بين شيوخ الإمارات هي ما يدور في أغلب المجالس، وكنت أنا في سن الخامسة من عمري وأرى والدي رحمة الله عليه في شقتنا في المرقاب في الكويت، يجتمع مع بعض أبناء الإمارات، وأذكر منهم سيف سعيد بن ساعد وأحمد سالم بن مقرب، وعمي سعيد محمد السري وخالي رجل الأعمال عبد الله جمعة السري وغيرهم، يجتمعون للحديث حول ما آلت إليه تلك المباحثات، كما أذكر أن والدي ماجد كان يأخذني إلى شقة القنصل محمد بن سلطان بن عمير المرسل من أبوظبي، للحديث حول نفس الموضوع.
وفي هذه الأثناء كان لدي حب وشغف لمتابعة الطوابع البريدية التي كان يأتي بها والدي، وخلال جلساتنا المسائية أتابع والدي عندما يضع الطوابع في مكانها وأبدأ أسئلتي عن ماذا تحكي تلك الطوابع؟ ومن ضمن الطوابع التي شاهدتها، طابع مميز في الشكل، وكان مستطيلاً مما أثارني وسألت والدي عن مناسبته، فقال لي إنه بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من ديسمبر من كل عام المعلن من هيئة الامم المتحدة في نيويورك، ولم أكن أعرف حينها ماذا تعني هذه الكلمات، إلا أنني قد نشأت مع الأيام عليها.
عند عودتنا في شتاء عام ١٩٧٣، كانت الدولة قد بدأت بالنهوض شيئا فشيئا بأيدي وسواعد أبناء الإمارات وبعض من بنات الإمارات اللاتي استطعن أن يتعلمن في ظروف كانت قاسية نوعاً ما، ولكن بالكفاح والإصرار بدأت بنت الإمارات تأخذ طريقها نحو المشاركة في التنمية والنهوض بمستوى الوعي لدى أغلب السيدات في المنازل، كالدكتورة عائشة السيار التي أنهت تعليمها في بداية الاتحاد وعادت لتتحمل المسؤولية وتعطي كل غالٍ ونفيس من أجل الإمارات.
ومن أبرز القصص التي سردتها لنا الدكتورة عائشة أنهم كانوا يجتمعون في الفجر لدى الشيخ زايد مع مجموعة من أبناء الإمارات، ليذهبوا إلى ليوا في المنطقة الغربية، وكان الشيخ زايد يقود بهم سيارته الجيب والغبار والتراب يدخل في عيونهم والسيارة في بعض الأحيان قد تندفن وسط التراب، ولكن في الأخير بعد عدة ساعات يصلون إلى ليوا ليختاروا أحد المساكن ليكون مدرسة، ثم يبدأ اختيار الطاولات والكراسي وبعدها وضع الكتب الدراسة.
كانت القيادة الرشيدة بقيادة المغفور له زعيم الاتحاد الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، وبمشاركة ودور أم الإمارات الشيخة فاطمة بنت مبارك يحفظها الله، قد بدأت تشعر بما تشارك به المرأة مع أخيها الرجل في النهوض بالمجتمع، فبدأت مسيرة رعاية المرأة بافتتاح الاتحاد النسائي العام وافتتاح الجمعيات النسائية في كل إمارة، وبدأت فكرة إنشاء جامعة الإمارات في العين ليبدأ معها عهد جديد أخذت فيه الإماراتية فرصتها في التعليم في كافة المجالات.
في هذا الجو الذي شعرت فيه المرأة بأن الفرصة قد أتتها على طبق من ذهب، أخذت تشارك في المحافل الإقليمية والدولية لتعطي فكرة عن دولة الإمارات العربية المتحدة وعن المكانة التي وصلتها وما هو متوقع لها بإذن الله تعالى في المستقبل القادم القريب والبعيد.
وخلال سنوات بدأت الإماراتية تحصد نتائج ما زرعته في أغلب الحقول، فما كان من القيادة إلا أن بدأت تمكنها من دورها السياسي، فعينت أول وزيرة في آخر أيام المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، فكانت أول وزيرة هي الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي، ثم ما لبثت أن تمكنت أكثر في عهد التمكين بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله، وقد أعطيت مزيداً من الحقوق السياسية، كما أطلق الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بأن "المرأة هي روح المكان"، ودخلت الإماراتية كذلك المجلس الوطني تتويجا لإعطائها كافة الحقوق والحفاظ عليها.
فبدأت الإماراتية تحصد النجاح تلو النجاح، بفضل العزيمة والإصرار ووقوفها إلى جانب أخيها الرجل، فأصبحت الجندية والشرطية والقاضية والمحامية وكاتبة العدل، ما أعطاها مزيداً من القوة.
وهكذا، بفضل الله سبحانه وتعالى وبجهود وإرادة القيادة الرشيدة، أصبح للإماراتية الكيان السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي أعطاها الحق في أن تكون سيدة أعمال وسيدة منتجة، وهذا غيض من فيض مما حصلت عليه وما سوف تحصده في المستقبل بإذن الله تعالى، دون اللجوء إلى مظاهرة أو معارضة أو مطالبة بحقوق المرأة الإماراتية، وإنما جاءت لكل واحدة منا بكل رعاية وتربية وبتمكينها من الوصول إلى ما تريد دون أن تطالب به.
بعد هذا العمر الطويل فهمت ماذا يعني أن تكون للإنسان حقوق وواجبات قد يطالب بها في أجواء غير مناسبة، لكن الإماراتية تستطيع أن تقول للعالم كله بفخر واعتزاز إنها ابنة الإمارات وإن هذه إنجازاتها.. فتمنيت الرد على الطابع الذي كان أمامي قبل ٤٥ عاما، بأن هذه هي إنجازات ابنة الإمارات.