لا يحتاج أحد إلى أن يقال له إن الصدفة تلعب دورها في الحياة، فهذا أمر بالغ الوضوح بحيث إنه ما من أحد منا يحتاج أن تقال له تلك الحقيقة الواضحة بذاتها. ورغم ذلك، فإن الأمر المثير للاهتمام هو الطريقة التي تلعب بها الصدفة دورها، وهذه الطريقة هي التي غالباً ما تكون غير واضحة.

وقد لعبت الكتب بالطبع دوراً كبيراً في حياتنا، ولم يكن هذا من اختياري، وإنما كان راجعاً إلى الحقيقة القائلة إنه خلال معظم سنوات طفولتي كنت أقيم في أماكن تصادف أنني كنت الطفل الوحيد فيها، أو لأقل الطفل الأوروبي الوحيد.

وكان معنى ذلك أنه خلال عيد الميلاد المجيد، لم تكن هناك متاجر مليئة بأنواع اللعب التي يمكن أن تستهوي طفلاً، وكانت الأشياء الوحيدة المعروضة للبيع، والتي قد تدخل البهجة على نفوس نوعية معينةمن الأطفال هي الكتب. ولكن ها هنا مجدداً، لم يكن كل كتاب مما يمكن قراءته بسهولة وتفهمه من قبل طفل. وقد كانت الرسومات الموجودة في الكتب ذات عون كبير، وبصفة خاصة بالنسبة للطفل الأصغر سناً.

وقد كنت محظوظاً حقاً لأن أمي عندما ولدتني في كندا، فكرت في الوقت الذي سوف أصبح فيه أكبر سناً وأستمتع بالكتب، وخاصة الكتب المصورة بشكل مناسب. وهكذا فإنه من بين الكتب التي اقتنيتها، وهي كتب قد تجتذب طفلاً إلى القراءة، كان هناك كتاب من تأليف روديارد كيبلينغ، وهو كتاب يضم قصصاً عن الحيوانات استمتعت به في مرحلة مبكرة للغاية من عمري، وربما يرجع ذلك في أحد جوانبه إلى الرسوم العديدة التي كان يضمها.

وهكذا فإن اسم كيبلينغ وكتاب مغامراته الذي يدور حول الحيوانات، أصبح معروفاً لي، وقدر لي في وقت لاحق أن أقرأ كتابه الشهير "كنوز الملك سليمان"، وأن أقرأ كتابه الأقل شهرة بعنوان "السوسنة ندى" الذي أصبح أحد الكتب المفضلة لدي، والذي انعقدت بطولته على فتية وفتيات من إفريقيا. ومن هنا، أصبح واضحاً أنه بينما كانت قراءة الكتب وسيلتي المفضلة لإزجاء الوقت، فإن تأليف الكتب قدر له أن يصبح الطريقة التي قررت أن أكسب بها عيشي.

 وقد بدأت في تأليف قصة أو قصتين قصيرتين، وابتهجت لأن وكيلاً أدبياً ذا شهرة محدودة بدا قادراً على الدوام على أن يجد ناشراً لها، وفي بعض الأحيان في مجلات أدبية مثل "مودرن ريدنغ"، وأحياناً أخرى في مطبوعات لا تتمتع بالشهرة.

ثم فكرت في أن أجرب تأليف رواية، وكانت رواية إثارة تحمل عنوان "اليد الفضية" وقد قبلت للنشر على الفور، وعندئذ قررت تأليف رواية بوليسية، وأنجزتها في وقت الفراغ الذي توافر لي خلال شهر واحد. وقد قبل ناشر آخر هذه الرواية أيضاً، ثم قررت بعدئذ أن أجرب تأليف رواية أكثر جدية، غير أنني في غمار تأليفي لهذه الرواية وجدت نفسي أنتقل إلى وظيفة في القاهرة.

وبينما كان من اليسير على ناشري خلال وجودي في لندن أن يتصل بي بالهاتف وأن يقترح إجراء تغييرات بسيطة في الكتاب، فإنه عقب انتقالي إلى القاهرة مباشرة، اضطر إلى أن يكتب لي بشأن مثل هذه الاقتراحات حوال التغييرات المحتملة، بينما اضطررت أنا إلى الرد من خلال كتابة الرسائل.

وقد استغرق هذا كله وقتاً طويلاً، وسرعان ما خلصت إلى أن التعامل مع المخطوطة من بعيد كان عملاً مرهقاً للغاية.

من هنا، قررت أن أساهم بصفحة عن موضوعات الثرثرة المحلية، في مجلة أسبوعية ناطقة بالإنجليزية كانت قد صدرت آنذاك في القاهرة، وفي الوقت نفسه شعرت بأنني يتعين علي القيام بمحاولة لترجمة بعض الأمثلة عن حركة الكتابة العربية الجديدة إلى الإنجليزية، واخترت أن أترجم مجلداً من القصص القصيرة من العربية، للكاتب الذي كان آنذاك من أفضل الكتاب في مصر وهو محمود تيمور.

وقد نشرت هذا الكتاب على نفقتي الخاصة، وساعد في بدء حركة ترجمة الكتابات العربية الحديثة إلى الإنجليزية.

وما كان يمكن لمثل هذه الحركة أن تكون فعالة حقاً، ما لم يكن بمقدوري العثور على ناشر إنجليزي لنشر هذه الترجمات عن اللغة العربية، وقد نجحت في القيام بهذا فعلاً عندما تمكنت من إقناع ناشر، في مستوى مطبعة جامعة أكسفورد الشامخة، بنشر مجلد من القصص القصيرة من أرجاء مختلفة من العالم العربي، وهو يمثل حركة الكتابة العربية التي كانت تشق طريقها آنذاك.

وقد صدر هذا الكتاب الذي حمل العنوان البسيط "قصص قصيرة عربية حديثة"، في الوقت الذي اندلعت فيه حرب يونيو 1967، وبالتالي فإن ذلك الوقت لم يكن أفضل الأوقات لصدور مثل هذا الكتاب، ولم يقدر لنسخة واحدة منه أن يتم بيعها في العالم العربي بأسره، سواء لقارئ فرد، أو لأي حكومة أو مؤسسة رسمية.

لم يكن العالم العربي آنذاك مهتماً بحركة الكتابة الحديثة باللغة العربية التي كانت تنهض فيه، والتي ركزت على القصة القصيرة والروايات، بل والمسرحيات كذلك.

من الذي يمكنه أن يفكر في مسرحية قصيرة في أي لغة من لغات العالم، أكثر ظرفاً من مسرحية توفيق الحكيم "سوق الحمير"؟ وقد تم إحراز تقدم في كل من القصة القصيرة والرواية، ولم يدهش أحد عندما فاز الروائي نجيب محفوظ بجائزة نوبل للأدب، ربما باستثناء الروائي الكبير نفسه.

غير أن شكلاً واحداً من أشكال الكتابة قد عانى بمرور الوقت، وهو الكتابة للمسرح، وكان السبب في ذلك بالغ الوضوح، فالمسرح ليس موجوداً بصورة عملية في العالم العربي اليوم، والأمر يقتضي جهداً حقيقياً من الحكومة أو بعض الأفراد الاستثنائيين، لاستعادة مكانة المسرح في الحياة الاجتماعية العربية.