لم تكن التجربة السياسية في الإمارات ضيقة الخطى دقيقة النقلات عبر عمرها الزمني الفتي، بل كانت في مجملها راسخة الثوابت محسوبة التدرجات، ناضجة الوعي لتقدم للحاضر والمستقبل حصيلة سياسية ناجزة، أساسها المشاركة الشعبية الممتدة التي تبدأ من المواطن وحقوقه وتنتهي إليه، وتستثمر في المدى الاجتماعي والسياسي، بقدر الحاجة المتناسبة مع النمو الحضاري والنضج المعرفي والتدرج الجماعي.

هذه المنظومة المتكاملة من التجربة والرؤى والواقع والتطلعات، هي التي صنعت فرادة التجربة السياسية الإماراتية، ورعاها حق رعايتها قادة مخلصون يعلمون أن الإنسان في الإمارات أولى الأولويات قبل البناء والعمران، وأن حقه في المشاركة السياسية كحقه في تراب الوطن ومائه وهوائه.

ومن هنا كان تأكيد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، في هذا المجال على هذه القضية الجوهرية في الفكر السياسي المجتمعي، حين قال سموه: "إننا ماضون في المسار المتدرج الذي ارتضيناه لتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في صنع القرار، وصولاً إلى نموذج سياسي يعبر عن الواقع ويتلاءم مع طبيعة المجتمع، ويتناسب في قيمته مع ما حققه أبناء شعبنا من تطور اقتصادي وعمراني وحضاري وإنساني".

هي ببساطة، كما ينظر إليها سموه، مسار متدرج يعي خطواته بدقة، ويعلم حيثيات النقلة السياسية الاجتماعية بالنظر إلى محيطها وتوابعها، واستلهام أفضل السبل لتصل المشاركة السياسية في المجتمع إلى أعلى مراتبها الحضارية، أخذاً بعين الاعتبار الواقع الاجتماعي الذي كانت عليه الدولة قبل عقود، والثوابت الأصيلة التي يراعيها، والقيم الرافعة للعمل الشعبي، التي لا يمكن التنازل عنها لأنها جزء لا يتجزأ من هويتنا.

ولا شك أن العقلاء يعلمون أن القفزات الكبيرة غير المحسوبة في مثل هذه الأمور، تترك فجوات اجتماعية يصعب ردمها، بل قد تؤدي إلى صدوع مجتمعية كبيرة، تحدث أثراً عكسياً في صعيد التعاطي مع الممارسة السياسية يفقد التجربة رونقها والغاية منها، وينقلها إلى عامل استقطاب يخسر فيه الجميع، ويضطرب المجتمع ويفقد بوصلته الموجهة نحو الحضارة والمزيد من التنمية والتطور.

ومن ذلك أيضاً جاء تأكيد صاحب السمو رئيس الدولة، على هذه المسلمات الواعية لأهمية التدرج السياسي في المجتمع وخوض التجربة من أبوابها، لا عبر القفز فوق الحدود والثوابت، لتكون صالحة للجميع في كل مكان وأي زمان، فأوضح سموه أن "التنمية السياسية الحقّة هي التي تستلهم قيم الشعب وتعبّر عن بيئته وتقاليده، لذا فإننا ننطلق من نموذج سياسي وطني يصون هويتنا ويحمي ثوابتنا، يتشارك في صنعه كل أفراد المجتمع ومؤسساته".

وها هنا لا بد من التأكيد على أهمية هذه الثوابت التي تنطلق منها القيادة الرشيدة في فلسفة التطور والمشاركة السياسية، عبر حرصها على جوهر المواطنة كأساس للعملية السياسية والمشاركة المجتمعية، وتعزيز وتنمية الوعي العام بالمصالح العليا للدولة، حتى تبقى بعيدة عن أي مساس قد يخل بها، وهو ما يستدعي استنفاراً وطنياً على صعيد النخب الاجتماعية، للتأكيد على هذا المعنى.

لا سيما في صفوف الشباب، ويتطلب أيضاً حشد جميع الجهود الواعية المثقفة على امتداد أرض الوطن، لتكون لساناً ناصحاً وفكراً ناضجاً يوطّد السبل أمام الأجيال لفهم ثقافة الحوار وقبول الآخر، والتعايش مع الاختلاف كحقيقة إنسانية اجتماعية طبيعية لا يستقيم المجتمع إلا بها، وأن المتمسكين بثقافة إقصاء الآخر يحكمون على أنفسهم بالعيش في الكهوف المظلمة، بعيداً عن أنوار الحضارة والوعي والنضج المجتمعي.

ومن هذا المنطلق تعوّل القيادة والمجتمع أيضاً على المؤسسات الثقافية والاجتماعية والإعلامية والتعليمية، لتتولى زمام المبادرة وتقود دفة الحركة التنويرية في أرجاء المجتمع، تحت ظل المسؤولية الوطنية لترسيخ الولاء للوطن والنهوض به، والعمل من أجله، وتقديم أعلى الخبرات الممكنة للعبور به إلى مستوى التجارب العالمية الناجحة، من دون المساس بثوابته، أو العيش في وهم المؤامرة على المجتمع، وهو ما تفرزه غالباً الثقافات الظلامية التي تقسم المجتمع دائماً إلى نصفين؛ إما معنا أو علينا، وهو ما يشكل أساس التمزق بين الاجتماعي والنفسي.

فالتمكين السياسي، كما يرى صاحب السمو رئيس الدولة: "كلٌ متكامل يتشارك الجميع في مسؤولية تطويره، دفعاً بهذا الوطن نحو آفاق العزة والمجد والرقي".