انتظمت في مدن وقرى وأحياء دولتنا الفتية كافة، شتى مظاهر الاحتفالات بمرور العقد الرابع لدولة الإمارات العربية المتحدة، التي ولدت تحمل كتاباً سطره أجدادنا الأشاوس وهم كانوا يصارعون واقعاً تصعب الحياة في كنفه، خصوصاً في بيئة قاحلة لم تتوفر فيها سبل كسب العيش.
ففي صحراء جرداء وفي ندرة ماء الشرب والري، لم يكن ممكناً الحصول على ماء الشرب النظيف، ناهيك عن الماء اللازم لإنتاج الحد الأدنى من الغلال والمحاصيل الزراعية كالقمح والذرة، ومن ثم كان خيار أجدادنا الوحيد امتهان حرفة الصيد البحري من أجل التقاط ما يجود به قاع البحر، فصار ركوب البحر لأيام وشهور حرفة طورها الأجداد، ومن خلالها درسوا حركات النجوم والكواكب لتتيسر لهم سبل الاهتداء إلى مواقع مزارع اللؤلؤ..
وفي ذلك الزمن الصعب كانت رحلات الصيد تستغرق أمداً طويلاً.. ومع غياب الرجال كانت تتولى النساء القيام بمهام تربية الأبناء وتدبير شؤون حياة كافة أفراد الأسرة الممتدة (وهي التي كان يعيش في كنفها الأجداد والأبناء والأحفاد معاً)، التي تتقاسم الحياة الجماعية.
وبمرور الوقت اكتسبت المرأة مهارات عديدة، فعلمت نفسها كيف تنشئ الأبناء على القيم والعادات والتقاليد السائدة في المجتمع القبلي، كما تدربت على طرق تربية الماشية ورعيها..
وهكذا كانت المرأة في مجتمع الإمارات التقليدي تتولى مهام رب الأسرة، وما زال بعض كبار السن يذكرون بجلاء دور الأمهات في تنشئتهم وتربيتهم، والتي غرست في نفوسهم أعراف وتقاليد البذل والعطاء والكرم والتضحية، كما عززت في دواخلهم مضامين مقاصد التربية الإسلامية التي تحض على فعل الخير وصِلَة الأرحام، وفوق كل ذلك أداء الواجبات التي بشر بها الإسلام كأعظم رسالة نادى بها ديننا الإسلامي.
وبذلك استطاع الإنسان الإماراتي أن يصل إلى مرافئ بلاد الهند وشواطئ الصين، ليتبادل السلع ويطور من العمليات التجارية، ما مكنه من بناء الموانئ من أجل التواصل مع حضارات الشعوب الأخرى.
إن عمق المدى الثقافي والتاريخي لمجتمعنا، والذي ساهم بفعالية في إيقاد شعلة الحضارة الإسلامية وتثبيت أركان الثقافة العربية، وتشهد على ذلك كتابات "المقدسي" في القرن العاشر و"الإدريسي" في القرن الخامس عشر، عن جزيرة حليلة و"الكوش"، وهي منطقة أثرية في جلفار، على نحو ما ورد في كتابات عالم الآثار "بياترس دي كاردي".
وقد سبق لنا الكتابة حول دعوة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، إلى الشباب الإماراتي لدراسة تاريخ مجتمعهم.. مجتمع الإمارات، مجتمع الماضي والحاضر والمستقبل.
ونحن إذ نشير إلى صورة الماضي التي عرضناها ونحن في حضرة عيدنا الوطني، فإنما نستعرضها باعتبارها لوحة بانورامية تجسد ماضينا العريق بكل تجلياته. ولكن للوحة مشهداً آخر يتجلى في أكبر إنجاز تبنيه دولة الإمارات العربية المتحدة، ليبقى شاهد عصر على جدلية انتقال مجتمعنا من ثقافة الصحراء إلى ثقافة عصر العولمة والألفية الجديدة.
فمع طلائع الاحتفال باليوم الوطني، بزغ فجر يوم تاريخي كما أراه، وهو اليوم الذي حصلت فيه دولة الإمارات العربية المتحدة على شهادة عدم الممانعة.. ورخصة البناء من الهيئة الاتحادية للرقابة النووية، لتشييد محطتين نوويتين.
وبموجب ذلك صدر قرار إنشاء مؤسسة الإمارات للطاقة النووية، لتعمل على تنفيذ مشروع توفير طاقة نووية آمنة وفعالة وصديقة للبيئة، يمكن الاعتماد عليها في تمكين حراك التنمية المستدامة والانتقال بمجتمع الإمارات إلى مرحلة حضارية جديدة، تختلف من حيث الشكل والمضمون عن إنجازات حضارة "أم النار" و"جميرا" و"جبل حفيت"..
ولم يكن للإمارات أن تحصل على موافقة هيئة الرقابة النووية الدولية، لولا أن سمعة دولتنا وصورتها المشرفة في المحافل الدولية وما تحظى به من تقدير وسط المجتمع الدولي، كان من دواعي الحصول على هذه الموافقة الهامة.
والمعلوم أن الإمارات كانت قد تقدمت بطلب للحصول على الموافقة في 27 ديسمبر عام 2010، واستمرت عملية فحص الطلب ومراجعة محتوياته 18 شهراً، تسلمت أثناءها مؤسسة الإمارات للطاقة النووية نحو 1800 استفسار تمت الإجابة عليها بموضوعية وشفافية، وبناء عليه فإن المؤسسة تخطط لبناء أربع محطات لإنتاج طاقة نظيفة بموقع "براكة"، الذي تم اختياره بعناية مع الأخذ في الاعتبار متطلبات الأمن والسلامة..
وقد شرعت الهيئة في التحضير لمراحل تشييد المحطة الأولى في هذا الموقع، حيث تم بالفعل صب 1500 متر مكعب من الخرسانة لإرساء قاعدة المفاعل النووي، كما تم إنشاء العديد من أعمال الحفر وإنشاء قنوات للشفط والسحب والتفريغ، فضلاً عن حواجز كسر الأمواج البحرية ورصيف الميناء..
وهنالك خطة تنفيذية لبقية المراحل تم إعدادها ويجري العمل بها، وفي ذات الوقت تبذل الجهود لاستقطاب النابهين من الطلاب الإماراتيين للاستفادة من المنح الدراسية التي تمكنهم من دراسة الطاقة النووية في الخارج، وقد أكمل أول فوج ممن تم اختيارهم دورة تأسيسية، بالتعاون مع شركة "وستنغهاوس". ومن بين من تم اختيارهم لدراسة الطاقة النووية، عدد من الطالبات الإماراتيات المتفوقات في مادة العلوم.
لقد قصدنا من هذه المقاربة أولاً ربط الماضي التليد بالحاضر المشرق، والثاني التأكيد على أن المستقبل الواعد لا يبنى إلا على مرتكزات الماضي الخالد، والتمسك بثوابت دولة الإمارات التي وضع حجر أساسها المغفور لهما بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وأخوه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وبمباركة وموافقة إخوانهم أصحاب السمو حكام الإمارات.
أعود للقول إن دولة الإمارات وهي تحتفل بذكرى اليوم الوطني الواحد والأربعين، تنطلق من ماضٍ عريق، وتضع الأقدام للسير قدماً فى اتجاه مستقبل تتحقق فيه مضامين التنمية المستدامة بمفهومها الشامل، والتي تلبي احتياجات الأجيال الحاضرة، لكنها لا تغفل احتياجات ومتطلبات أجيال المستقبل.