من النادر أن يجود الزمان بإنسان ذي قدرات عالية ومؤثرة في الحياة، سواء من جانبها الأخلاقي أو الثقافي والاجتماعي والسياسي.. إنسان ذي طبيعة خاصة، استطاع أن يتخلص من تبعات واقعه الطبقي، ونظرتها إلى الحياة، وحتى مساراتها الحياتية اليومية، وأن يخوض الحياة بسلاح واحد، ألا وهو المعرفة والعلم، والغوص في بحاره العميقة، وذات الأمواج العالية، والكائنات المفترسة، سواء على سطحه أو في أعماقه.
يظل ذلك الإنسان حاملاً حلمه في تحقيق أفضل سبل الحياة للبشرية، دون النظر إلى العرق أو الجنس أو القومية. لقد بدأ الوعي لديه منذ إدراكه لمعاناة البشرية من الحكم الظالم أو الدكتاتورية أو النازية، وكلها منطلقها واحد، وهو التعالي على بقية الأجناس، واستغلالها لتصبح مقيدة بسلاسل يصعب كسرها، إلا بمطرقة ذات مواصفات خاصة، وبإرادة صلبة قد تكون أصلب من الفولاذ، ولا يحملها إلا إنسان ذو إرادة فولاذية يصعب كسرها.
إن العودة إلى الوراء من الأمور الصعبة، حيث إن الإنسان، حين ذاك، يتذكر الإيجابيات، وهي سمة حسنة، إلا أن السلبيات تبرز أيضاً بكل ما تحمله من سوادوية وقهر، وربما إذلال للذات البشرية.
أما الجانب الإيجابي في ذلك، فهو تذكر إنسان ارتبطت به بعلاقة متشعبة، فهو الأستاذ الذي تعلمت منه الكثير من المعارف في مجال تخصصك في علم الاجتماع في بداية حياتك العلمية، حينما كنت طالباً في جامعة الكويت، تتلقى تحصيلك العلمي على أيدي أساتذة كبار، من أمثال الدكتور أسعد عبد الرحمن، وعبد الرحمن بدوي، وفؤاد زكريا، وحسن شحاته، ومحمد الرميحي.
في تلك الفترة، التقيت بالدكتور خلدون النقيب، الإنسان الرائع والعالم الجليل، ذلك الإنسان الذي يخجلك بتواضعه الشديد، وبحنانه الأخوي، وعلاقاته الإنسانية مع الجميع دون تفرقة، فالجميع أصدقاؤه، طلاباً وطالبات، وأعضاء هيئة تدريس، وكل العاملين، ومنهم من يقدم القهوة والشاي.
كان خلدون حسن النقيب، يلاقيك مبتسماً بشوشاً، يحمل بيده كتاباً جديداً، يتمنى عليك الاطلاع عليه وقراءته، وفي الكثير من الأحيان يعطي نبذة وافية عنه. وقد ارتبط بكتاباته حول الدولة التسلطية وقمع الإنسان، إدراكاً منه لأهمية آليات تلك الدولة، وكيفية محاربتها، للقضاء على آليات قمع الإنسان وقهره.
لقد اكتسبت رحلة حياته بين المدن المختلفة في العالم، سواء العربي أو الغربي، معرفة عميقة بالحياة، زادت من تعلقه بأهمية علم الاجتماع ومجالاته المختلفة، سواء السياسي أو الاقتصادي والتنموي وعلم الأنثروبولوجيا.
في الأسبوع الماضي من 14-15/11/2012، عقدت ندوة في مؤسسة سلطان بن علي العويس، تحت عنوان «قراءات في فكر خلدون النقيب»، تحدث فيها العديد من المفكرين والكتاب العرب حول الراحل الباقي بيننا خلدون النقيب، سواء ما يتصل منها بالفكر التربوي أو عن التغييرات في العالم العربي، أو عن السياقات الاجتماعية والثقافية المشكلة لفكره.
حين ذاك، عُدت بالذاكرة لأيام عاصرتها مع الراحل، في زياراته المتكررة لدولة الإمارات العربية المتحدة بشكل عام، ومدينة دبي بشكل خاص.
وتذكرت الأحاديث التي كانت تدور بين الحضور حول العديد من القضايا التي تهم الإنسان العربي.. كان خلدون حسن النقيب، ولا يزال، إنساناً يبحر في المستقبل، انطلاقاً من الحاضر، دون نسيان الماضي.
إن المبدعين العرب، ومنهم أبناء الخليج، بحاجة إلى دراسات للخوض في ما كتبوا على مدى أربعة عقود من الزمان، ومنه ما كتبه خلدون النقيب في صحيفة البيان، وغيرها من الصحف والمجلات.
أخيراً وليس آخراً؛ إن خلدون النقيب سيظل باقياً بيننا كفكر وعقل وإنسان باحث عن الحقيقة.. لقد غاب الجسد، وبقي العقل والفكر حاضراً للأبد.