هناك كتاب عنوانه "في بلد الرجال"، وهو من تأليف هشام مطر الكاتب الليبي المولد الذي يؤلف كتبه باللغة الإنجليزية، ويتمتع بأسلوب مميز، ويكتب بطريقة تأخذ بلب القارئ. هذه الرواية القصيرة نسبيا، تدور حول عائلة تعيش في ليبيا، والشخص الذي يروي أحداثها هو فتى في مقتبل العمر، وهو يعاني من صعوبة في فهم الأحداث التي تدور من حوله، ويحس بالقلق حيال ما يجري في عائلته، ولكنه لا يستطيع أن يفهم على وجه الدقة هذا الذي يجري، وهو يطرح أسئلة على أمه، ولكنها ترفض الرد عليه بصراحة. فالكثير من أسئلته محرجة وخطرة في بلد يحكمه شخص يطلب الولاء من رعاياه جميعا، وهو لا يطلب الطاعة فحسب، وإنما العبادة العمياء أيضا.

تتوالى مكالمات هاتفية غريبة، ولا يستطيع الصبي فهم ما تدور حوله هذه المكالمات، وتعد تساؤلاته حولها خطيرة بالنسبة لعائلة تراقبها السلطات. ثم تظهر على شاشة التلفزيون مشاهد لشنق شخص سخطت عليه السلطات، وتحدث هذه الواقعة الرهيبة في أحد الميادين الرئيسية في المدينة، ومن الجلي أن أولئك الذين يشاهدونها يستمتعون بالمشهد الذي يرونه.

تبادر السلطات بنقل رب العائلة بعيدا، ويفتقد الصبي أباه ويتساءل عن مكانه وما الذي حدث له، ولكن الآخرين يعرفون أن المنزل تجري مراقبته، وأن كل المكالمات الهاتفية يتم التنصت عليها، وفي غضون ذلك، يعيش الفتى في عالم لا يفهمه، وتشكل التساؤلات إحراجا لأمه وبقية عائلته، كما تعد تساؤلات خطرة أيضا.

أخيرا، يعود والد الصبي إلى البيت، ويحس الفتى بالدهشة حيث يجد أن أباه يتجنبه ويلزم غرفته. ولا يستطيع الصبي الذي سعد بعودة أبيه ليكون في وسط العائلة، أن يفهم السر في أن أباه لا يأتي ويتجاذب أطراف الحديث معه ولا يعانقه. والسبب الذي يعرفه القارئ تدريجيا فالرواية مكتوبة بحذق وذكاء بالغين وتقتضي قارئا ذكيا أيضا- هو أن الأب خلال الفترة التي ابتعد فيها عن المنزل، كان مسجونا في مكان خضع فيه لكل أنواع التعذيب، وقد ترك ذلك بصماته على جسمه، وهو يحرص على أن يخفي هذه الحقيقة عن زوجته، وبصفة خاصة عن ابنه الصغير. ومن بين أشكال التعذيب التي تعرض لها إطفاء السجائر في جسمه.

عندما قرأت السطرين المتعلقين بهذا، تذكرت طريقة التعذيب التي أخضع لها صديقي العراقي يحيى الثنيان، فلسبب لم يعرفه قط، تم نقله، شأن الأب في هذه الرواية، إلى معتقل علق فيه من ذراعيه، وكان كل سجانيه عندما يمرون به يطفؤون سجائرهم في جسمه العاري. ولا يملك المرء إلا أن يسأل نفسه: كيف يمكن إقناع البشر بإتيان مثل هذه الأمور وارتكابها ضد رفاقهم من البشر؟ وكيف يمكن لقادة مثل صدام حسين ومعمر القذافي وغيرهما، الاحتفاظ بالسطوة في بلادهم من خلال معاملة بعض مواطنيهم بهذه الطريقة؟

يعرّف الأب في الرواية ابنه الصغير بنفسه، ويموت الأب قبيل نهاية الرواية، بينما يتم إرسال الفتى الصغير إلى خارج البلاد، وعلى وجه التحديد إلى مصر ليكمل تعليمه، وتقطع أمه ذات يوم الطريق من ليبيا إلى مصر لتزوره.

يضع المرء الرواية جانبا بقلب مثقل، وهو يدرك أنه قد قرأ رواية الكثير من الأفراد الذين كان من سوء طالعهم أنهم يعيشون في بلاد يحكمها رجال يهتمون بحياتهم المترفة، أكثر مما يهتمون بسعادة مواطنيهم ذوي الحظ السيئ.

ينتهي الكتاب بالمؤلف وهو يرد على أسئلة مختلفة تطرح عليه، حيث يوجه إليه سؤال عن الأسباب التي تحدوه للكتابة بالإنجليزية وليس بالعربية، وهو يقر بأن معرفته للإنجليزية أفضل من معرفته بالعربية، وأنه تلقى تعليمه بالإنجليزية منذ كان في الثانية عشرة من عمره، وأن معرفته بالعربية ضعيفة.

ثم يطرح عليه سؤال عما إذا كانت الرواية سيرة ذاتية، وهو ينفي ذلك، ويذهب إلى القول إن الكتاب نتاج للخيال بصورة خالصة.

ويطرح عليه سؤال أخير عن المؤلفين الذين يشعر بأنهم أكثر قربا منه، والمؤلفين الذين يكتبون عن الحياة في ظل الأنظمة الطغيانية. وهو يذكر بالطبع ليو تولستوي وقصته الطويلة التي تحمل عنوان "موت إيفان إيليتش"، كما يذكر اسمي "دستويفسكي" و"تورجنيف"، وهما كاتبان روسيان آخران ألفا كتبا لا يزال ينظر إليها على أنها أعمال كلاسيكية، ثم لسعادتي البالغة يذكر أنه قد قرأ رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، ويقول إنه: "أحبها دوما كما كان يحبها في المرة الأولى التي قرأها فيها"، وهو يذكر اسمي باعتباري مترجمها.

وقبل ختام هذا المقال، فإنني أود أن أذكر بضع كلمات عن الطيب صالح، فقد ابتهجت بالطبع لإدراكي أن كاتبا مثل قامة هشام مطر ينظر إلى الطيب صالح بتقدير كبير، وقد شعرت أنا نفسي دوما بأن الطيب صالح لم يحظ قط بالشهرة التي كان يستحقها، وهو قد بدأ بالطبع حياته العملية الكتابية متأخرا، ولكنني أتذكر جيدا عندما كنت أصدر مجلة "أصوات" الأدبية، أنه بعث إليّ بقصة قصيرة لقراءتها والنظر في أمرها، وقد بادرت بلا تردد بنشرها ثم ترجمتها، ونشرت القصة في مجلة أدبية شهيرة، ثم جاءت بعد ذلك روايته القصيرة الرائعة "عرس الزين"، غير أنه لم يتم إبداء كبير الاهتمام بأعماله الأخيرة، ومن بينها روايته "بندر شاه".

وبالمناسبة، فإن رواية هشام مطر قد ترجمت إلى ما لا يقل عن 28 لغة.