دأب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، على إطلاق سلاسل من المبادرات ليثير في دواخلنا أن القيادة الملهمة لا تصنعها الأحداث بل هي التي تصنع الأحداث، ومن ثم تستلهم عقل الجماعة ليتفاعل مع صيرورة تلك الأحداث.
وهذا الذي نقول ينطبق تماماً مع آخر مبادرة انفرد بإطلاقها سموه، وتعتبر المبادرة من جهة دعوة لاستحضار التاريخ الثقافي والحضاري لدولة الإمارات العربية المتحدة، ومن جهة أخرى تحفيزاً للشباب والأجيال الصاعدة لقراءة سجل تراث هذا المجتمع، ذلك أن أبناء وبنات الأجيال التي ولدت مع وبعد عصر التدفق النفطي، لا علم لها بالأصول التاريخية للمجتمع إلا النزر القليل الذي يدرس في بعض المراحل الدراسية..
لقد أراد سموه أن يذكر القاصي والداني بأن الإمارات ليست دولة ولدت مع اكتشاف البترول أو نبتاً شيطانياً انبثق من العدم واللاشيء، بل نحن مجتمع له جذور وموروث حضاري بعمق التاريخ.
واللافت للنظر أن صاحب السمو الشيخ محمد استحضر من ذاكرته صوراً ومشاهد لمواقع أثرية، تشهد مخلفاتها أن بلادنا كانت مسرحاً لحياة عامرة بالنشاط السكاني والحراك المجتمعي عبر التاريخ.
ولعله من الأهمية بمكان أن نوضح أن علماء الانثروبولوجيا الاجتماعية وضعوا حدوداً فاصلة بين الحضارة والثقافة، بما يفيد أن الحضارة هي الجانب المادي للثقافة، ومن هنا فإن مبادرة سموه هي دعوة للتعرف والتعريف بالخصائص والأصول الثقافية والحضارية لمجتمع الإمارات. ولا بد ان تتجاوب مراكز البحوث والجامعات المنتشرة في الدولة، مع هذه المبادرة المهمة وأن تجسدها عملياً بإنزالها إلى أرض الواقع.
لقد عرفنا عبر هذه المبادرة أن دبي منذ القدم كانت مركزاً للملاحة منذ بواكير التاريخ وصولاً لعهود الدولة الإسلامية، وتشهد المرابع الأثرية في جميرا على ذلك، حيث أبانت الكشوف والحفريات التي عثر عليها فريق البعثة الآثارية، وجود سوق ومخازن للغلال، ومخلفات لأوان فخارية وأدوات نحاسية ومسكوكات وبقايا نقود تشبه نقوشها رموز العصر البرونزي، إلى جانب أدوات الصيد وعقود وسلاسل وأدوات زينة للنساء.
واللافت للنظر هو الطراز المعماري لبقايا مبنى الوالي، الذي اشتمل على عدد من الغرف وأماكن إقامة للضيوف وحمامات ومصارف للمياه، وبقايا حديقة ومخازن للغلال وغيرها.
تقع مدينة جميرا الأثرية على بعد 12 كيلومتراً شمال غرب دبي وتبعد عن الشاطئ بنحو كيلومترين، ولا بد أن وجود مخلفات من النحاس يؤكد تواصل السكان مع مصادر النحاس في جبال عمان، كما تنبئ عن وجود علاقات تجارية نشطة مع بلاد فارس وجنوب شرق آسيا.
وكان فريق آثار أميركي نقب وكشف عن مخلفات هذه المدينة في أخريات ستينات القرن الماضي، وهنالك مماثلات ونظائر لمدينة جميرا التاريخية وجدت في منطقة القصيص، حيث تم الكشف عن بقايا مقابر يعود تاريخها إلى عصور ما قبل الفتوحات الإسلامية، وقد تم جمع حصيلة وافرة من الأواني والمتعلقات والمعدات الأخرى، وتم تصنيفها وتوجد الآن في متحف "الفهيدي" الذي يتردد عليه السياح الأجانب من مختلف أنحاء العالم، بينما يمر أمامه البعض من أبناء البلد والمقيمين فيه دون ان يزوروه أو يلفت انتباههم.
أعود لأقول إن مبادرات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، تحتاج إلى جهاز لمتابعتها ووضع صيغ مبتكرة لآليات تنفيذها، وذلك بالتنسيق مع كل الجهات ذات العلاقة بالمبادرة.
وفي رأيي أن مبادرة "حضارة الإمارات" ينبغي أن تعطى أهمية خاصة، وذلك لاعتبارات موضوعية، ومن ثم أرى أنها لا بد أن تستنهض همم جهات عديدة، من أهمها جامعة الإمارات ووزارة الثقافة ونادي وجمعيات تراث الإمارات، للإعداد لمؤتمر دولي نقترح أن تشكل له لجنة عليا من خيرة الأساتذة والخبراء في علوم الآثار والتاريخ القديم والاجتماع الثقافي، وذلك بالتنسيق مع اتحاد المؤرخين العرب والمنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم (الاسيسكو)، ويمكن أن ينظم المؤتمر برعاية سيادية كريمة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم مبتدر المبادرة..
مع اقتراح أن يكون عنوان المؤتمر "حضارة الإمارات تجليات الماضي وتحديات المستقبل".