التقيت عبدالله فيلبي لأول مرة خلال سنوات الحرب، في الوقت الذي كنت أعمل خلاله في القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية. ورغم أنه كان يقيم معظم الوقت خارج إنجلترا، إلا أنه كان قد أصبح شخصية شهيرة لدى الإنجليز.

ومع أن الإمبراطورية البريطانية كانت آنذاك قد امتدت لتشمل العديد من البلدان الإسلامية، فإن عبدالله فيلبي ربما كان الإنجليزي الوحيد الذي اعتنق الإسلام، واعتبر فريداً من نوعه بعد أن انتقل من العمل في وزارة الخارجية البريطانية، واختار أن يصبح مستشاراً للعاهل السعودي الملك سعود.

وكان قد ألف العديد من الكتب حول المملكة، وقام برحلات كثيرة إلى أجزاء فيها كانت حتى ذلك الوقت مجهولة بالنسبة للعالم الخارجي. وبالنسبة لي فقد كان رمزا لذلك الجزء من العالم الذي رغبت في أن أنتمي إليه، والذي قدر لي أن أعيش فيه معظم سنوات عمري.

كان من المسلم به أن عبدالله فيلبي يتحدث العربية بطلاقة، ولكن بقدر ما أعلم فإن الأمر لم يكن كذلك. وعلى أي حال فإن تقديمي له للمرة الأولى حدث خلال حفل أقيم في فندق دورشستر الشهير، وكان أحد أصدقائي العرب الذين يعملون معي في هيئة الإذاعة البريطانية، قد أقبل وقال إنه سيقدمني لشخص شهير تصادف أنه كان موجودا في الحفل.

واصطحبني هذا الصديق إلى رجل ملتح، وقدمني له بعبارات مفعمة بالمجاملة، باعتباري إنجليزياً يمتلك ناصية اللغة العربية.

ولست أتذكر الكثير في ما يتعلق بذلك اللقاء، باستثناء أن عبدالله فيلبي حياني بحفاوة وقال لي بالإنجليزية بصوت ضاحك: "انطلق شرقاً أيها الشاب" وتمنى لي التوفيق. وكانت الحرب قد استمرت، وأذكر أنه كانت هناك شكوك تدور حول فيلبي وولائه لبريطانيا.

واصلت العمل في هيئة الإذاعة البريطانية طوال الحرب العالمية الثانية، بينما كان أبي الذي حمل رتبة كولونيل في الجيش البريطاني، قد أسندت إليه مهمة مستشار للجيش المصري في شؤون الذخيرة. ولم يكن سعيدا بعمل ابنه كمدني، وبذل قصارى جهده لنقلي كضابط إلى القاهرة، حيث ذهب إلى القول إن معرفتي باللغة العربية يمكن توظيفها هناك بشكل مفيد، غير أن هيئة الإذاعة البريطانية أصرت على أن أواصل العمل فيها، قائلة: إنه لا يمكنها الاستغناء عني.

ولكن عندما انتهت الحرب سمح لي بالاستقالة من الهيئة، وتمكنت من تحقيق حلمي بالإقامة في بلد عربي.

كانت الوظيفة التي أفلحت في الحصول عليها في القاهرة، هي العمل في مجلس الثقافة البريطاني بتدريس الترجمة العربية لأولئك المصريين الذين يأملون في مواصلة دراساتهم في جامعة بريطانية، ويتطلب منهم النجاح في امتحان في اللغة العربية كجزء من اختبارات التحاقهم بالجامعة.

وأتذكر جيدا عدم تصديقي للحياة المترفة نسبيا التي كانت في القاهرة، مقارنة بنوعية الحياة الصارمة في بريطانيا خلال سنوات الحرب وعلى امتداد سنوات عديدة بعد نهايتها.

وعلى سبيل المثال، فإنني خلال وجودي في القاهرة كان بمقدوري الذهاب إلى أي مقهى، وكان معظم المقاهي آنذاك يعمل تحت إشراف اليونانيين الذين ولدوا في مصر، وكانوا يعتبرونها وطنهم.

وكان بمقدوري أن أطلب بيضة أو 3 بيضات أو حتى نصف دزينة من البيض دفعة واحدة، بينما في انجلترا لم يكن بمقدور المرء الحصول إلا على بيضة واحدة مرة في الأسبوع، أو حتى مرة كل أسبوعين.

ولما كنت أشعر بالضجر من عملي اليومي الذي كنت أقوم به، فقد أقنعت ناشرا في القاهرة بإصدار مجلة أسبوعية باللغة الإنجليزية، وعدته بالمساهم فيها بصورة منتظمة. وقد شعرت بأنه رغم إقامة كثير من البريطانيين في ذلك الوقت، إلا أنهم لم تكن لديهم إلا معرفة محدودة بالحضارة التي تحيط بهم، أو بالمواهب المحلية التي كانت جزءاً من عالمي.

ومن هنا فقد كتبت صفحة يومية تقدم معلومات عن شخصيات من أمثال الدكتور طه حسين وتوفيق الحكيم وغيرهما من المشاهير في القاهرة، الذين تصادف أنني أعرفهم عن كثب.

هكذا فإنه عندما مر عبدالله فيلبي بالقاهرة فجأة في طريقه إلى السعودية، اتصل بي وأجريت معه مقابلة صحافية نشرت جنبا إلى جنب مع صورة له كان قد قدمها لي.

قابلت عبدالله فيلبي عقب ذلك في مكان هو الأبعد في احتمال أن نلتقي فيه وهو موسكو، وكان كلانا نحضر اجتماعا للمستشرقين، وكان ودوداً للغاية معي، وأعطاني رقم هاتفه، وقال: إنه يود دعوتي لتناول طعام الغداء عندما يتصادف أن نكون معاً في لندن.

وأتذكر قوله لي إنه يود دعوتي إلى نادي أثينيوم في لندن، الذي كانت عضويته في ذلك الوقت تقتصر على النخبة المثقفة في المجتمع البريطاني، غير أنني أهملت الاتصال به، ثم أزعجني أن أقرأ في صحيفة يومية خبر وفاته المفاجئ، وكان ذلك مؤشرا لي إلى أنني ينبغي أن أنتهز الفرص عندما تتاح لي، ولا أنتظر وصولاً إلى لحظات الندم.