إذا كانت بعض الأطراف العربية قد أبدت ارتياحها ببقاء الرئيس الاميركي أوباما في البيت الأبيض لأربع سنوات أخرى، وإذا كانت أطراف أخرى لم تسعد بذلك لأنها كانت تفضل فوز المرشح الجمهوري ميت رومني.. فإن الحقيقة الأساسية أن حضور العالم العربي في الحملة الانتخابية كان ضعيفاً للغاية، وأن قضايا أساسية (مثل القضية الفلسطينية) كانت غائبة، حيث تركز الجدل حول تأييد الإدارة الأميركية لتيارات الإسلام السياسي وتمكينها من السيطرة علي الحكم في أقطار"الربيع العربي"بدعوي أنها ستكون حائط صد ضد الاتجاهات الدينية المتطرفة .
السناتور الجمهوري جون ماكين المرشح الرئاسي السابق هو أول من أعلن رسمياً التوافق بين واشنطون والإخوان المسلمين في مصر بعد زيارته القاهرة ولقائه بخيرت الشاطر الرجل القوي في الجماعة، حيث أكد ماكين أنه حصل على التعهدات المطلوبة أميركياً لدعم الجماعة، وفي مقدمتها الحفاظ على المعاهدة مع إسرائيل، وإبقاء السلاح الأميركي هو المصدر الأساسي لتسليح الجيش المصري.
وبعد ذلك انفتح الباب أمام الاخوان للوصول إلى السلطة. هذه التيارات التي حظيت بالدعم الأميركي في ظل إدارة أوباما، تعرف أن هذا الموقف قد تعرض للمراجعة بعد ذلك، وأن ما حدث في مصر وتونس وليبيا من صعود للتيارات المتشددة ومن ممارسات ضد الأقليات وضد المرأة وضد الخصوم السياسيين، قد أثار المخاوف خاصة بعد أن ظهرت اعلام "القاعدة" في عواصم هذه الدول، وبعد ان كادت منطقة حيوية مثل سيناء ان تتحول إلي قاعدة لعناصر السلفية الجهادية.
في ظل"المراجعة" كان هناك تصريح الرئيس الأميركي أوباما بأن النظام الجديد في مصر "ليس حليفاً.. وليس عدواً". صحيح ان ذلك جاء بعد تظاهرات الاحتجاج التي اقتحمت السفارة الأميركية في القاهرة وأسقطت العلم الأميركي، ولكنه كان أبعد من مجرد"رد فعل" كانت تذكيراً بأن الدعم يمكن أن يسحب في أي لحظة وأن هذه الدعم له أثمان لابد أن تدفع!
وفي ظل "المراجعة" أيضاً كان التصريح الذي صدر عن وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، والذي سحبت فيه الغطاء عن المعارضة الخارجية السورية، مطالبة بدور أساسي للمعارضة الداخلية، ورافضة ما وصفته بـ"اختطاف الثورة".
المقصود من هذا كله أننا كنا ومازلنا أمام عملية مراجعة للسياسة الأميركية لا تحكمها إلا المصالح الأميركية فإلى أين تمضي بنا هذه"المراجعة"بعد نجاح أوباما؟!
في خطاب النصر بعد إعلان فوزه بالولاية الثانية، كان احد المحاور الأساسية هو تجديد الالتزام بعدم توريط بلاده في حروب جديدة ومكلفة، ومحاولة العبور من الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها أميركا بتوفير الظروف لتعاون دولي يحقق السلام ويسعى للتقدم للجميع.
ربما يكون هذه أحد الملامح الأساسية للخلاف في السياسة الخارجية بين أوباما وحزبه الديمقراطي، وبين رومني والحزب الجمهوري تحت قيادة المحافظين الجدد والذين لا يمانعون في حروب تؤكد السيطرة الأميركية. وأظن ان هذا الاختلاف سوف ينعكس علي منطقتنا وعلينا أن نتعامل مع هذا العامل بكل جدية.
لا أعرف إذا كانت هيلاري كلينتون ستبقي في موقعها علي رأس الدبلوماسية الأمريكية أم تتركه، ولكن حديثها عن سوريا و تأكيدها علي رفض"اختطاف الثورة السورية"سوف يظل أحد أسس السياسة الأميركية الجديدة في المنطقة مع الأخذ في الاعتبار ان ثورة سوريا بالنسبة لواشنطن ليست بعيدة عن باقي ثورات الربيع العربي، وأن واشنطن بالذات تعرف اكثر من غيرها من الذي يختطف الثورة ؟
ولست أجد ما يمنع من العودة إلى "زلة اللسان" التي ارتكبها الرئيس الأميركي وهو يقف قبل شهور مع الرئيس الروسي أمام ميكروفونات لم يكن يدري أنها مفتوحة، ليقول للرئيس الروسي إنه سيكون بعد تجديد انتخابه اكثر تحرراً في التعامل مع القضايا المعلقة بين البلدين، وخاصة فيما يتعلق بقضايا الأمن والصواريخ الأميركية في أوروبا.
التمسك الأميركي بعدم الانجرار لحروب جديدة، والاستعدادات لتنازلات لروسيا، ماذا يعني ذلك بالنسبة لنا ؟!
يعني أن"الحل السياسي"هو الترجمة لخطاب هيلاري كلينتون حول سوريا، وحول رفض"اختطاف الثورة". ويعني ان التوافق"الأميركي الروسي"سيكون هدفاً لإدارة اوباما للحفاظ علي مصالح الدولتين في المنطقة من ناحية، ولمحاولة إجهاض مواجهة محتمله مع تحالف روسي صيني لا تريده أميركا. هذا يعني أيضاً فتح الطريق لإنهاء خطر الحرب مع إيران بكل نتائجها الكارثية علي المنطقة. ويعني أيضاً أن الرهان علي استقطاب مذهبي في المنطقة لابد ان يتراجع.
أين العرب من كل السيناريوهات المحتملة؟ وهل يكفي الترحيب بأوباما للتعامل مع الموقف ؟ أسئلة لا نملك كالعادة لإجابة عنها، وندفع كالعادة فواتيرها حتى ونحن نقدم آلاف الشهداء طلباً للخلاص.