لم تكن عثرة البرلمان الأوروبي؛ في كيل الاتهامات المبتوتة عن مصداقيتها الواقعية ودراستها الموضوعية للإمارات، لا سيما في قضية تمكين المرأة، عثرة عابرة مؤسفة، بقدر ما كانت نكسة ارتدادية في مضمون المصداقية الأوروبية في التعاطي مع الوقائع العالمية، بعيداً عن الأجندات الجاهزة المفصلة مسبقاً، التي قد توقع من يتبناها في سخرية الواقع واستهزاء آلاف الشواهد على الأرض.
هذا بالضبط ما حدث لقرار البرلمان الأوروبي المفاجئ، المتحامل وغير الصحيح مطلقاً المستند على الأوهام، فضلاً عن كونه تدخلاً سافراً في شؤون الدول، بنوايا نعرف تماماً مصادرها ومواردها وإلى أين ترمي وماذا تريد. غير أن ما يهمنا ويرهقنا أيضاً في هذا المقام، هو توضيح الواضحات وتبيين المعلومات المعروفة تماما لكل ذي بصيرة وأدنى معرفة بوضع المرأة في الإمارات.
فهي التي حققت في غضون سنوات معدودة في عمر الدولة، قفزات حضارية ملموسة ومشاهد أهلتها لأن تتصدر المنطقة العربية للعام الثالث على التوالي في مجال المشاركة الاقتصادية للنساء، كما تبوأت المرتبة الأولى عالمياً بالمشاركة مع عدة دول أخرى، في المساواة بين الذكور والإناث في مجال التعليم ضمن المجالات الأربعة الرئيسة، وهي الحصول على الرعاية الصحية والتعليم والمشاركة السياسية والمساواة الاقتصادية، التي يعتمد عليها مؤشر الفجوة بين الجنسين لعام 2012 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في الرابع والعشرين من أكتوبر الماضي، في قياس الفجوة بين الجنسين.
ولعل من حسن التوافقات أن نتكلم عن واقع المرأة الإماراتية في ظل اقتراب ذكرى عيد الاتحاد، الذي نقل المرأة من مكابدة أمية القراءة والكتابة والتعليم، إلى أن غدت اليوم وزيرة ودبلوماسية وسفيرة وعالمة، بل هي اليوم المرأة الوحيدة التي ترأس وفد دولتها ومجموعتها البرلمانية على مستوى جميع الدول العربية والإسلامية، مما يدل بشكل قاطع على المستوى العالي الذي وصل إليه تمكين المرأة في الإمارات، مثبتة أنه لا يوجد أي تناقض بين ما يصبو إليه المجتمع من تطوير نفسه، وبين المحافظة على تقاليده، حيث حققت الإمارات قفزات في مسألة تمكين المرأة مع تمسكها بتقاليدها ونظرتها للحداثة.
حقاً يستغرب المرء كيف يبرهن على ضعف هذا التهافت في تقرير الحقائق من دون بينات في قضية تمكين المرأة، ونحن نرى كل يوم الحضور المجتمعي الكبير للمرأة الإماراتية في شتى الميادين، وحرصها ضمن نطاق الحرية والثقة التي منحها إياها القانون، على بلوغ أعلى المراتب العلمية والاجتماعية والسياسية، مع حفاظها الراسخ على الثوابت المجتمعية والهوية الوطنية التي تزيدها تألقاً في هذا المضمار، في ثقافة متكاملة ترنو للمستقبل من دون أن تتبرأ من الماضي الأصيل الذي تفخر به.
بعد هذا الواقع الساطع، كيف نفهم قصور وضع المرأة في الدولة الذي علمه البرلمان الأوروبي المتألم على تمكين المرأة في الإمارات، ولم تعلم به الأمم المتحدة حين تم انتخاب الإمارات لعضوية المجلس التنفيذي لهيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، لفترة مدتها ثلاث سنوات اعتبارا من مطلع عام 2013 وتنتهي بتاريخ 31 ديسمبر 2015؟
بل كيف يفسر لنا البرلمان الحريص على الموضوعية حين كال الاتهامات للإمارات، نصوص الدستور الذي يؤكد صراحة من دون ملابسات، على مبدأ المساواة بين المرأة والرجل والتمتع بالحقوق والواجبات نفسها، بما في ذلك حق العلم والعمل والحصول على الأجر المتساوي مع الرجل وحق التملك وإدارة الأموال والأعمال؟ بل إن القوانين في مجال العمل لم تكتف بتحقيق المساواة في الأجر وفرص الترقي، بل تجاوزت هذا إلى النص على توفير ضمانات إضافية لحماية المرأة العاملة؛ مثل حظر عمل النساء في الأعمال الخطرة والشاقة أو الضارة صحياً.
بل إن الإمارات هي الدولة الأولى والوحيدة على مستوى المنطقة، التي تشغل فيها امرأة منصباً سياسياً قيادياً في البرلمان، فكان النائب الأول لرئيس المجلس الوطني الاتحادي، امرأة..
ولعلنا لا نستطيع إحصاء المجالات التي تتبوأ فيها المرأة المكانة المميزة محلياً وعالمياً لأنها كثيرة متعددة، ولكننا نتفق جداً مع ما تؤكده الإحصائيات والدراسات الواقعية، وكما يقرره الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية ووزير الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي، حين قال: إن المستقبل سيكون على موعد مع "انفجار" قيادات نسائية، في ظل وجود الكثير من النساء في القيادات الوسطية، ما يرشح الكثيرات منهن في القيادات العليا مستقبلاً.