كل من يتخذ قرارا بتعلم اللغة العربية قراءة وكتابة، سرعان ما يكتشف أن أبجديتها تمثل كل أنواع الصعوبات التي يمكن تصورها. وعلى امتداد قرون عدة كان لها تاريخ معقد، ومع إشراق فجر الإسلام فحسب، اكتسبت اللغة العربية التي تطورت على مر الزمن مرتبة اللغة الشريفة التي نزل بها الله سبحانه وتعالى برسالته على قلب نبيه ليخاطب بها البشر جميعا، وقد كـُتب القرآن الكريم في وقت جد مبكر من مسيرة الإسلام بالخط العربي.

أظهر العرب منذ البداية رغبة عارمة في إصلاح خطهم وتجميله لكي يصبح الأداة اللائقة لكتابة آيات الذكر الحكيم، وهكذا فإن الخط العربي منذ مرحلة مبكرة من تطوره أصبح يتسم بالجلال من خلال تحوله إلى الطريقة التي يكتب بها القرآن الكريم. وعلى هذا المنوال بدأ التطور الطويل الذي عرفه الخط العربي ، والذي درسه الكثيرون دراسة متأنية، بحيث أنه تطور إلى العديد من الأشكال التي خضعت لقواعد دقيقة اعتمدت بعد دراسة متأنية لها، وطورت هذه التنويعات المستمدة من الخط الأساسي، وأصبح يطلق عليها أسماء الأماكن التي تم تطويرها فيها، بحيث أن الخط الذي يضرب جذوره في مكة المكرمة أصبح يعرف بالخط المكي، بينما حمل الخط المديني اسم المدينة المنورة التي تم تطويره فيها.

وتم تطوير العديد من النوعيات من الخط العربي في مناطق مختلفة من العالم العربي، برز من بينها الخط الكوفي بأشكاله المختلفة. وحقق هذا الخط الكوفي بالفعل مرتبة رفيعة على كل الطرق الأخرى التي تكتب بها اللغة العربية. وغدا بالإجماع الخط المثالي الذي يكتب به القرآن الكريم.

وفي أواخر القرن العاشر بدأ الخط الكوفي يكتسب خصائص مميزة تطورت بعد ذلك لأسلوبين جديدين أصبح أحدهما الخط الذي يستخدم في الجزء الشرقي من العالم الإسلامي ، بينما غدا الثاني الأسلوب المفضل في المناطق الغربية منه.

وفي الوقت نفسه أي خلال العهد الأموي (661-750) تم إبداع العديد من أساليب الخط ظل بعضها صامدا حتى العهد العباسي (750-1258)، بحيث انها تمت بلورتها على يد الخطاط ابن مقلة الذي توفي في عام 940، وقادته عبقريته إلى التركيز على دعم عدد محدود من الأساليب البارزة في الخط العربي ظلت صامدة حتى ذلك الوقت. وقد خلص إلى أنه من بين الأساليب العديدة التي كانت لا تزال موجودة في ذلك الوقت، فإن 6 أساليب منها تستحق المزيد من الاهتمام، بحيث تصبح طرقا مقبولة لكتابة الخط العربي، وانطلق ليقدم المعايير الأساسية لهذه الأشكال الستة المختلفة من الخط العربي.

وتم في وقت لاحق إدخال تحسين ملموس على هذا العمل المميز الذي أنجزه ابن مقلة ، وذلك من خلال الجهود التي بذلها عبقري آخر من عباقرة الخط العربي هو الفنان الشاب المعروف باشم ابن البواب، والذي توفي عام 1022.

وهكذا ومع مضي الوقت فإن أشكال الخط العربي تم بصفة مستمرة تغييرها وتحسينها على يد خطاطين وظفوا عبقريتهم في إدخال أساليب جديدة في الوصول إلى مرحلة الكمال بأساليب للكتابة المستخدمة بالفعل.

ومن بين هذه الجهود لا بد من الإشارة بصفة خاصة إلى جهود ياقوت المستعصمي (الذي توفي عام 1298) والذي يعتبر بصفة عامة أعظم خطاط مسلم، والذي تمت على يديه بلورة عملية تحسين الخط إلى 6 أشكال كبرى للخط.

وحتى اليوم لا يزال الخطاطون يحتلون مرتبة خاصة في عالم الفن. ويتبع معظم الخطاطين في الغالب المدرسة العثمانية التي كان مؤسسها الخطاط الشهير الشيخ حمد الله الأماسي ، والذي توفي في عام 1520.

وقدمت بغداد لاحقا عبقريا آخر من عباقرة الخط هو هاشم الخطاط الذي توفي عام 1973، بعد عمر كرسه لفن الخط ، والذي قال عنه أحد الفنانين المبدعين المشهورين لدى وفاته إن فن الخط قد بدأ في بغداد وانتهى فيها بموت هاشم الخطاط. وفي حقيقة الأمر أنه لدى وفاته تم تكريمه بنصب تمثال له في حي الفضل القديم في بغداد، الذي نشأ فيه هذا الخطاط المبدع.

الخط فن يقتضي من أولئك الذين يمارسونه ليس فقط أن يحفظوا عن ظهر قلب القواعد الدقيقة التي لا بد لهم من الالتزام بها، وإنما يتطلب أيضا موهبة خاصة إذا أريد تحقيق تمكن حقيقي من ناصية هذا الفن. ويحاول الفنانون المحدثون جاهدين أن يحققوا هذا التمكن حيثما تم الاحتفاء بالخط العربي باعتباره جزءا من التقاليد العربية.

اليوم يحتل الخط في العالم العربي مكانة مهمة جنبا إلى جنب مع الفنون الأخرى كفن التصوير. ويعد الخطاط أحمد مصطفى لذي ولد في الإسكندرية عام 1943 فنانا يحظى اليوم بتقدير رفيع في جميع أرجاء العالم الإسلامي وذلك على الرغم من أنه قد اختار لندن مقرا لإقامته الدائمة.

 وعندما أنظر إلى الجدار مباشرة من فوق مكتبي الذي أمضي جالسا أمامه الجانب الأعظم من يومي فإني أجد العديد من الأعمال الفنية التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من وجداني. ومن هذه الأعمال الفنية دراسة فاتنة من إبداع الفنان الإيطالي روجيرو جيان جياغوني لإحدى القطط التي كانت من بين القطط العديدة التي تعيش في ميناء الصويرة المغربي، وإلى جانبها هناك مثل صغير للعبقرية الفنية التي يتمتع بها الفنان المصري عادل السيوي في شكل دراسة صغيرة بالألوان الحمراء الفاتحة لقرد جالس. ثم أخيرا وليس آخرا هناك نموذج للخط العربي أهداه لي الفنان منير الشعراني في شكل لوحة بديعة تحمل بالكلمات: "اللهم أرني الأشياء كما هي".

لقد أصبح الخط في العالم العربي فنا مهما حقا.