هذه هي المرة الأولى التي تتحدث فيها أميركا الرسمية عن "خطف ثورة" عربية. الحديث جاء علي لسان وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، والثورة السورية كانت المقصودة. كانت المسؤولة الأميركية تؤكد ضرورة الوقوف ضد الجهود التي يبذلها المتطرفون لاختطاف الثورة في سوريا. وتطلب من المعارضة أن تقاوم هذه المحاولات وتشير إلى معلومات تثير القلق حول متطرفون يتوجهون إلي سوريا ويعملون علي تحويل مسار الثورة لصالحهم.

ومع الحديث عن "اختطاف الثورة" كان الحديث أيضاً عن ضرورة تجاوز دور المجلس الوطني السوري وجلب أولئك الذين يقاتلون في الخطوط الامامية ليكونوا هم مقدمة المعارضة التي يجب أن تشمل الجميع .

هذا الموقف الأميركي كان معروفاً من مدة، ولكن الإعلان عنه بهذه الطريقة الحاسمة وتوقيت هذا الإعلان هو الجديد. لقد كان واضحاً أن تزايد وجود الجماعات المتطرفة والخشية من سيطرتها علي الوضع في سوريا أدى إلى تراجع الحماس الأميركي لإنهاء الوضع هناك، ومعه تراجع اطراف إقليمية أخرى في مقدمتها تركيا. وأصبح الرهان هو على استمرار معارك الاستنزاف لفترة طويلة دون حسم، انتظاراً لتسوية سياسية مع روسيا والصين، وهي تسوية لن تتم إلا بضمان عدم وقوع سوريا في يد التطرف.

السؤال هنا هل تقتصر الرسالة على سوريا؟ أو بمعنى آخر، وماذا عن اختطاف الثورة في أقطار عربية أخرى، والذي تم تحت سمع و بصر واشنطون، وربما تحت رعايتها وبدعمها ؟!

فلم يعد سراً ، أن القرار الأميركي بعد اندلاع الثورة فيما عرف بـ"الربيع العربي" كان هو فتح الطريق لتسليم السلطة إلي جماعات وأحزاب الاسلام السياسي وفي مقدمتها "الاخوان المسلمون" في مصر، و"النهضة" في تونس . وكلينتون نفسها هي التي أعلنت بوضوح الانحياز الأميركي لهذا الاختيار مبررة هذا بأن واشنطن ستدعم هذه الجماعات مادامت لم تلجأ للعنف أوالإرهاب.

وكاشفة عن محادثات تتم منذ سنوات بين واشنطن وهذه الجماعات. وكان التقدير الأميركي أن هذه التيارات الاسلامية المعتدلة سوف تضمن استقرار المنطقة وبالتالي الحفاظ على مصالح أميركا وحلفائها، وكان المثال هو ما تم إعلانه عن التزام الاخوان المسلمين في مصر بتعهدات في مقدمتها الحفاظ على العلاقات مع اسرائيل والالتزام الكامل بالمعاهدة معها، وكذلك بتسهيلات المرور في قناة السويس للقوات الأميركية، وبعدم تغيير منظومة تسليح الجيش المصري التي تعتمد أساساً على السلاح الأميركي.

لكن التطورات بعد ذلك فرضت على الإدارة الأميركية أن تراجع موقفها، في ليبيا تحولت البلاد إلى ساحة للميلشيات المسلحة والجماعات المتشددة، وفي تونس تصاعدت شكاوى التيارات المدنية بمن فيها رئيس الجمهورية المرزوقي من محاولات الهيمنة من جانب "حركة النهضة".

وفي مصر، حيث كان الرهان الأكبر على نجاح الاخوان المسلمين في تقديم تجربة لحزب اسلامي معتدل ومنفتح على العالم، يسير الوضع في طريق بالغ الخطورة. فالدولة المدنية تتآكل والانقسام الحاد في المجتمع يتزايد، والجماعات السلفية التي خرجت للعمل العام بعد الثورة تنتشر وتتوسع، والمهادنة مع السلفيين الجهاديين الذين صدرت قرارات بالعفو عن المسجونين منهم وفتحت أمامهم أبواب العمل السياسي لم تفلح في محاصرة الاتجاه إلى العنف والتطرف.

وما بدأ بحوادث طائفية ومحاولات لقهر المرأة، ينتهي الآن بتحويل سيناء إلى مستوطنة للجماعات السلفية الجهادية التي تتبنى فكر "القاعدة" من داخل مصر أو من خارجها. ثم يحدث ما توقعناه سابقاً من انتقال هذه الجماعات للعمل من الحدود إلى القلب، ولا شك أن نجاح السلطات المصرية أخيراً في ضبط الخلايا الإرهابية وهي تستعد لسلسلة من التفجيرات الإجرامية في القاهرة، يعطي مؤشراً لمدى ضراوة المعركة مع هذه الجماعات ، فهل أدركت أميركا فشل رهانها؟

ربما يكون من المبكر إصدار هذا الحكم، ولكن حديث كلينتون عن "اختطاف الثورة" في سوريا، لابد أن يرتبط بـ"اختطاف الثورة" في غيرها من الأقطار العربية. ولكن علينا هنا أن نقول إن واشنطن ستقيس الأمور وفقاً لمصالحها هي وليس لمصالح الشعوب العربية. ويبدو أن الإخوة القابضين على السلطة في بعض أقطار الربيع العربي يدركون ذلك جيداً، ولا يتوقفون عن رسائل الطمأنة للشريك الأميركي، خاصة بعد أن أعلن الرئيس الأميركي منذ فترة أن النظام في مصر"ليس عدواً وليس صديقاً".

والكارثة هنا أن رسائل الطمأنة لها أثمانها الكبيرة من الاستقلال الوطني والكرامة الوطنية. والطريق موصول هنا بين خطاب الرئيس المصري مرسي إلى شيمون يبريز وحديثه لـ"الصديق الوفي" عن "علاقات المحبة" بين البلدين، ورفض حركة "النهضة" في تونس النص في الدستور على تجريم التطبيع مع العدو الاسرائيلي، وتأييد "حماس" لموقف " النهضة "!! المفكر الأميركي الشهير ناعوم تشومسكي كان في القاهرة الاسبوع الماضي.....

وأكد أن أميركا لا تريد الديمقراطية في البلاد العربية، وشرح أسبابه لهذا الموقف ولا أظن أن هذا كان خافياً في أي وقت على من يقرأ السياسة الأميركية، ولكنه الآن أكثر وضوحاً ووزيرة الخارجية الأميركية تتحدث عن"اختطاف الثورة" في سوريا، بعد أن قدمت كل ما لديها من دعم لكي يتم "اختطاف الثورة" في مصر و تونس! أعرف أن ما فعلته بعض قوى الاسلام السياسي"المعتدلة" فعلته قبلها تيارات ليبرالية في مرحلة سابقة، حين راهنت على موقف أميركي داعم لها ثم فقد الرهان.

واعرف أن حديث "اختطاف الثورة" لا يأتي عن انحياز للديمقراطية بل عن رؤية تنطلق وتنتهي من مصالح أميركا وحدها. ولكني أعرف أيضاً أن أسوأ ما يمكن لقوى الاسلام السياسي المعتدلة أن تفعله لإقناع أميركا بمواصلة دعمها هو أن تقدم "التنازلات" على حساب الوطن! هذا طريق للكارثة وليس إلى الخلاص.

وإذا كانت الإدارة الأميركية تراجع الآن سياستها وتتحدث عن "اختطاف الثورة".. فالحل لا يكون بتقديم التنازلات وبيع الوطن مقابل خرافة "التمكين" التي تسيطر على عقل هذه الجماعات، وإنما الحل هو في العودة إلى البديهات، وإلى "تمكين" الثورة وليس الجماعة، وإلى إدراك أن ما تريده الشعوب العربية لن يتحقق بالتبعية لأميركا، ولا بالعودة لكهوف قندهار. كانت هذه معركتنا منذ أكثر من نصف قرن، ومازالت هذه هي المعركة!