فلسطينيو 48 والتربة المهيأة

ت + ت - الحجم الطبيعي

مما لاشك فيه أن الدور الحيوي لما تبقى من الشعب العربي الفلسطيني داخل الأرض المحتلة عام 1948، بات مؤثراً داخل الدولة العبرية الصهيونية، وفي مجموع الحراكات الإحتجاجية التي تنطلق من حين لآخر داخل "إسرائيل" وإن كانت تدور تلك الحراكات تحت سقف المطالب الاجتماعية والاقتصادية وتحت سقف شعارات المساواة والعدالة بين عموم سكان "الكيان العبري من اليهود".

كما بات العرب الفلسطينيون، من أصحاب الوطن الأصليين، الذين بقوا داخل فلسطين المحتلة عام النكبة، باتوا يشكلون بدورهم قوة كبرى لايمكن الاستهانة بها بعد أن وصلت أعدادهم قرابة ربع سكان الدولة، ومشاركتهم في حركات الاحتجاج الاجتماعي ومطالبهم الداعية لإزاحة التمييز والاضطهاد القومي والطبقي عنهم، لها أثر كبير داخل الدولة العبرية الصهيونية.

ما يهمنا في أمر تلك التحولات والحراكات هو دور أبناء الشعب الفلسطيني داخل كيان الدولة العبرية، حيث يتعاظم حضورهم السياسي والاجتماعي كل يوم، ويتعاظم معه دورهم المستقبلي.

وتشير معطيات ثانية، بأنه ومع نهاية عام 2009، بلغ تعداد الفلسطينيين في المناطق المحتلة عام 1948 قرابة (1,25) مليون فلسطيني يمثلون نحو (20٪) من سكان "إسرائيل"، لا يملكون سوى (3٪) من الأراضي التي أقيمت عليها الدولة الإسرائيلية عام 1948. ووفق مصدر آخر، فإن أعداد المواطنين الفلسطينيين في المناطق المحتلة عام 1948 بلغ (1,215) مليون نسمة، دون مواطني مدينة القدس المحتلة.

الفلسطينيون في الداخل يشكلون المجتمع الأكثر فتوة في التوزع الفلسطيني، إذ بلغت نسبة الأفراد دون الخامسة عشرة من العمر (40,6٪)، وترتفع الخصوبة بينهم قياساً بالخصوبة عند المرأة اليهودية، وهو ما يشكل مصدر قلق لقادة إسرائيل الذين باتوا ينادون الآن بما يسمى "يهودية الدولة".

لكن ما زاد من خوف الصهاينة وقلقهم تجاه فلسطينيي 1948، تصاعد ظاهرة النمو الديمغرافي بهم بالقياس إلى النمو الديمغرافي المحدود لدى اليهود على أرض فلسطين، وهو تصاعد ترافق مع ارتفاع وتيرة كفاحهم الوطني وقدرتهم على التعبير عن شخصيتهم الوطنية الفلسطينيّة سياسياً وثقافياً. لقد عاش فلسطينيو الداخل المحتل عام 1948 ظروفاً قاسية وصعبة في العشرية التي تلت النكبة، تحت الحكم العسكري وأنظمة طوارئ، من عام (1949 وحتى 1966).

فعقب قيام دولة "إسرائيل" توزع ما تبقى من أبناء فلسطين على ثلاث مناطق رئيسية هي: منطقة الجليــل شمال فلسطين والتي تضم قرابة (52,8٪) منهم، ومنطقة المثلث وسط فلسطين، ومنطقة النقب جنوب فلسطين التي يعيش فيها قرابة (190) ألف مواطن فلسطيني يقطن أكثر من نصفهم في قرى غير معترف بها. وبذلك فإن المواطنين الفلسطينيين يعيشون متخذين من تسعين قرية وبلدة موئلاً لهم، إضافة لوجودهم في بعض المدن التي باتت مختلطة كمدن: حيفا، ويافا، وعكا، واللد، والرملة.

هذه الحقائق الديموغرافية وحقيقة الصمود الوطني لفلسطينيي 48، جددا المخاوف الصهيونية القديمة، فنشطت مجدداً الخطط والمشاريع الصهيونية للتخلص من هذا الحضور، لكن بأساليب ومقترحات صهيونية جديدة. من سياسات الاضطهاد والتمييز القومي والطبقي.

إن السياسات التمييزية، واستمرار الاضطهاد القومي والطبقي تجاههم، تجعل من دورهم في ميدان العمل اليومي في "إسرائيل" أمراً محتوماً، فهم في نهاية المطاف داخل بوتقة تلك التفاعلات الجارية، لذلك كانوا من جانبهم في مقدمة المظاهرات وخيم الاعتصامات التي ملأت مدن الدولة العبرية في تل أبيب والخضيرة وبتاح تكفا والقدس الغربية وحيفا من أجل المطالبة بالعدالة الاجتماعية. ومن مشاركي "حملة الكوتيج" التي انطلقت على صفحات الفيسبوك التي اتسعت لتشمل مجالات معيشية جديدة وعديدة وفي مقدمتها: السكن والوقود والطب والتعليم.

إن ربع سكان الدولة العبرية تقريباً هم من المواطنين العرب الفلسطينيين من أصحاب الوطن الأصليين، الذين يتعرضون لشتى أنواع العسف والتمييز والاضطهاد القومي والطبقي منذ سنوات النكبة الأولى، وبالتالي فهم معنيون في نهاية المطاف في توليد حالة من الحراك المؤثر داخل "إسرائيل" ولو إلى حين وعلى كل مستوياته بما فيها المستوى السياسي الذي يتجاوز المستوى المطلبي المتعلق بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية باتجاه المطالب الوطنية والقومية بما فيها حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، حيث بات دورهم يتعاظم يوماً بعد يوم في العقدين الأخيرين.

ويتوقع أن يتعاظم دور فلسطينيي الداخل المحتل عام 1948 أكثر فأكثر مع استمرار وجود حالة هائلة من الفوارق الطبقية والتمييز العنصري بينهم وبين عموم اليهود في المجتمع "الإسرائيلي". فعلى سبيل المثال إن تقرير دائرة الإحصاء المركزية "الإسرائيلية" يشير قبل عامين إلى أن هوة وفجوة الفوارق التمييزية بين العرب واليهود أخذة في الاتساع، ومن دلالاتها المؤشرات التالية: كثافة السكن أكبر لدى السكان العرب منها لدى السكان اليهود (معدل 1,43 شخص للغرفة لدى العرب مقابل 0,84 لدى اليهود). وهناك ترد دائم في الخدمات الصحية المقدمة للعرب وهو ما يؤثر في ميلان معدل متوسط العمر فهو أقل لدى العرب.

كما أن نسبة وفيات الرضع لدى العرب تساوي ضعف ما هي عليه لدى اليهود منذ قيام الدولة العبرية. كذلك فإن نسبة الوفيات العامة أعلى لدى العرب منها لدى اليهود. كما يشكو العرب أكثر من اليهود من مشكلات جسمانية تسبب لهم صعوبات كبيرة، أو كبيرة جداً في ممارسة النشاط اليومي.

 

طباعة Email