لا يتوقف تميز الدولة عند حد، حين يكون غاية متصلة تحدوها الرغبة الصادقة بتحقيق المزيد، والعمل الجاد لتأسيس الحضور العربي والإقليمي، بل والعالمي، عبر تسجيل شهادات التقدير العالمية من المؤسسات المشهود لها، وهو ما يعني بأن الإمارات تسير على الطريق الصحيح في ثلاثية النجاح المجتمعي، وهي رقي الإنسان وتأسيس العمران وترسيخ الأمان.
هذه الأركان الثلاثة لبقاء الأمم والدول ونموها ورقيها هي الكفيلة بأن تجنبها عوامل التآكل الداخلي، أو التكالب الخارجي، التي تبدأ غالباً من نقاط ضعف يرتكز عليها الراغبون في نخر المجتمع أو النيل من وحدته، وهي محكومة بالفشل حتماً ما دامت الدولة تضع الإنسان في أعلى الأولويات، وتجتهد في تأسيس البنى التحتية على أعلى المستويات الكفيلة بتحقيق الرخاء الاجتماعي والحياة الكريمة، وفوق ذلك ومعه شيوع الأمن والاستقرار، وهما أعلى وأغلى النعم التي ترفل بها الدولة، وهي التي أعطت للركنين السابقين تماسكهما وحضورهما.
قبل أيام سجلت المنظمة الدولية للشرطة الجنائية "الإنتربول" تقديرها الكبير للإمارات وتميزها المتفرد في الشرق الأوسط في تحديد هوية ضحايا الكوارث والأزمات، وهي شهادة تضاف إلى سجل الإمارات الحافل، لا سيما في قضايا الأمن وخدمة المجتمع والحرص على حاجاته، وهو ثناء ترجمه تعاون وثيق وتبادل معلومات وخبرات بين هذه المنظمة ومكتب شؤون الضحايا في العاصمة أبوظبي، ما يعكس نجاحاً في مهمة يشهد لها المتخصصون بأنها معقدة وعصية على كثير من الدول الكبرى، ولا تنجح بها هيئة أو دولة بمفردها من دون الحاجة إلى جهات أخرى لمساعدتها.
هذا الإنجاز، ومن ورائه التقدير الأممي، تقف وراءه جهود قد لا نعلم الكثير من تفاصيلها نحن كأفراد المجتمع، لكننا نلمس ثمارها حين تدعو الحاجة إليها، ونعلم أنها تترجم إخلاصاً قيادياً في تقدير قيمة الإنسان واحترام وجوده، لا سيما في مثل ظروف الكوارث التي ينقلب فيها الرأي العام، مطالباً بإنجاز العمل في أسرع وقت ممكن.
وبنظرة سريعة على طبيعة مكتب شؤون الضحايا، الذي أنشئ تنفيذاً لقرار الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، نرى أنه يعمل على توفير المعلومات حول الضحايا من خلال تحديد هوياتهم لذويهم على وجه السرعة، ويتم تفعيله عند وقوع حادث أو كارثة كبرى، ويخضع لرقابة صارمة وسرية في البيانات والمعلومات الخاصة بالضحايا وذويهم، كما يقدم رسالة وطنية تركز على تقديم خدمات حكومية ذات جودة عالية وتقنيات وآليات حديثة تعمل على تسجيل البيانات الخاصة لضحايا الكوارث والأزمات على المستويين المحلي والعالمي، وتوفير البيانات المتعلقة بهم، وتقديم خدمات الدعم والمشورة للوكالات المماثلة دولياً.
كما أنه يتلقى بلاغات عن الحوادث والأزمات الطارئة واتصالات من ذوي الضحايا للرد على تساؤلاتهم واستفساراتهم، مستخدماً لغات عدة، بهدف ضمان إدخال المعلومات الصحيحة، ومن ثم تحديد هوية المفقودين والضحايا من خلال البيانات المتوافرة، ومقارنتها مع سجل الضحايا، والتعرف إليهم، ما يسهل نتائج البحث في زمن قياسي.
إننا نجد أنفسنا مطالبين بالوقوف إلى جانب تعزيز حضور مثل هذه الجهود اجتماعياً، وذلك عبر دعم خطط التطوع في صفوف هذه الجهات والمشاركة في رفد هذه الهيئات بما يرسخ قوتها ويبقي على تميزها الإقليمي بل والعالمي، لأن مثل هذه الأعمال مفتوحة على المساعدة المجتمعية بلا شك، وبها تزيد أذرعها وتدقق نتائجها وتكتمل خدمتها، مع التأكيد على ضرورة التخطيط الاستراتيجي لذلك ووضع الإطار القانوني والقواعد المنظمة لمثل هذا العمل، وإعداد تدريبات وسيناريوهات وطنية بصفة دورية، لضمان تناسق عمل المكتب مع الشركاء والمتطوعين.
هذا الدعم المجتمعي لا يمكن أن يتم إلا بزيادة الوعي الجماهيري بقيمة المنجزات الوطنية أولاً والحفاظ عليها، وبأن كل جهة في الدولة تحقق حضوراً وتميزاً إقليمياً أو عربياً أو عالمياً هي رائدة لجميع الهيئات والجهات في الدولة، وتنقل الفخر إلى جميع أبناء الإمارات، ثم لا بد من الوعي بأهمية الجهد المجتمعي للعمل في الصالح العام، وهي ثقافة ناضجة تؤسس لها فكرة المواطنة الحقيقية، التي تقدم المجتمع على النزعات الفردية الأنانية، وتعمل ضمنه، بما يبرهن على وطنيتها الحقيقية، في تقدير للحمة المجتمع والأرض والوطن.