تركت معظم البلاد والحضارات أشكالاً شتى من الوثائق لتعطي معلومات للأجيال المقبلة حول الطريقة الفنية التي تعبر بها عن نفسها. ولكن في أقدم العصور لم تكن توجد مواد يمكن لأبناء هذه البلاد والحضارات أن يسطروا عليها خواطرهم. وكذلك فقد افتقروا في العديد من الحالات سبل التعبير عن أنفسهم، حيث إنهم لم يتملكوا ناصية المعرفة بفن الكتابة، على الرغم من أنهم نقشوا في بعض الأحيان لوحات على الحجر في محاولة منهم لإعطاء فكرة للأجيال المقبلة عن المواهب التي تمتعوا بها في مجال الفن.

وتوجد لدينا اليوم أيضاً نماذج لفن إبداع الفخار الذي مارسوه في ذلك الوقت، والذي يتمثل في آنية فخارية كانت شديدة الأهمية بالنسبة لطريقتهم في العيش، والتي تمكنوا من خلالها من إظهار بعض عاداتهم وتقاليدهم ومستوى التذوق الفني الذي توصلوا إليه.

توجد أمثلة على هذا العمل على امتداد ما يعرف الآن باسم ليبيا، فهي موجودة في وادي الخيل الواقع إلى الغرب من الجبل الأخضر في شرق ليبيا، وامتدادا إلى الجنوب الغربي البعيد حيث نعثر على أعمال فنية مميزة كما نجدها في جبل العوينات في الجنوب الشرقي. ولم يتم فحص هذه الأعمال جميعها والكتابة عنها بسبب الحقيقة المتمثلة في ان بعضها بعيد للغاية عن أي مناطق للسكنى بحيث إن قلة من الرحالة سواء كانوا من الليبيين أو الأوروبيين أتيحت لهم الفرصة أو المقدرة على زيارتها.

يمكن تقسيم المراحل الفنية السابقة للتاريخ في ليبيا إلى 4 مراحل، ويمكن التمييز بينها بسهولة. المرحلة الأولى هي تلك المتعلقة بالجاموس، وهو أقدم حيوان ظهر في البلاد، وأصبح مألوفاً لدى أهلها. ثم جاء عقب ذلك الثور وفي وقت لاحق الحصان وأخيراً الجمل. ولم تكن هذه المراحل بالطبع منفصلة بشكل صارم بعضها عن بعض، ولكن في معظم الحالات كانت متداخلة فيما بينها.

استمدت المرحلة الأولى اسمها من الجاموس البري ذي القرون الطويلة، وهي مرحلة تدعى أيضا بمرحلة الصياد، وتتطابق زمنياً بشكل تقريبي مع الألفية السادسة والخامسة والرابعة قبل الميلاد. أما مرحلة الثور أو المرحلة الرعوية فتبدأ في حوالي الألفية الرابعة قبل الميلاد، وتعد مرحلة مهمة في تحديد الوقت الذي تم فيه لأول مرة تدجين الماشية والأغنام والماعز.

وتعد لوحات المرحلة الرعوية أكثر تعقيداً من المنتجات الفنية للشعوب الأقدم عهداً. وقد حجبت معظم اللوحات المنتمية إلى هذه الفترة في ملازم جافة، حيث كانت إمكانية الحفاظ عليها أفضل بالتأكيد مما لو تركت هذه اللوحات في العراء وخضعت للتأثيرات المدمرة للطقس.

كانت المرحلة التي أعقبت مرحلة الثور هي بالتأكيد مرحلة الحصان، وقد قام الهكسوس بإدخال الحصان إلى شمال إفريقيا في فترة يعتقد أنها ليست سابقة عن القرن السادس عشر قبل الميلاد. وقد جاؤوا من آسيا وجلبوا الحصان أولا إلى مصر. وقد نقشت مشاهد للعربات التي تجرها الخيول في موقع فزاني يعرف باسم "الطشوانية 6". وقد استخدم الجواد إلى حد كبير لغرض الاستيلاد، والعنصر الرئيسي في لوحات هذه المرحلة هو وجود البشر في مشاهد العربات التي تجرها الخيول، وهي المشاهد التي يظهر فيها البشر بالطبع.

وقد جاء الوقت الذي تم فيه إدخال الجمل العربي، في تميز عن الجمل العادي المألوف في مناطق مختلفة من آسيا، إلى إفريقيا من مناطق أخرى في الشرق الأوسط. وبحلول هذا الوقت كان الحصان قد بدأ يفقد قيمته في مناخ تتزايد حرارته. وتبرز فيها قدرة الجمل العربي على العيش على قدر صغير من الماء الذي يتطلبه الحصان، الأمر الذي أضفى على الجمل العربي مزايا لا يمكن أن ينافسه فيها الحصان.

وبالتالي فليس غريباً أن الجمل العربي سرعان ما أصبح سفينة الصحراء بحق، بينما أصبح الحصان ترفاً يتطلب درجة من العناية لا يمكن أن تتيحها الصحراء. وليس من قبيل الصدفة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤثر ركوب ناقته "القصواء".

وبالإضافة إلى لوحات الكهوف العديدة والفنون الصخرية التي صورت الحيوانات التي كانت متوافرة في ذلك الوقت، فإن أعداداً كبيرة من الأدوات والأسلحة وقطع الآنية قد اكتشفت على امتداد أراضي ليبيا. وبينما تعد هذه الأشياء أموراً مثيرة للاهتمام، فإن من الصعب رد أي منها إلى مرحلة زمنية بعينها. إن النحاتين والرسامين الذين لم يستطع بمرور الأيام أن يمحوا إبداعها هم الذين يواصلون إبلاغنا كيف أن ليبيا أحرزت تقدماً كبيراً عبر القرون.