المتابعون للمشهد السياسي وعلى وتيرة مجريات الأحداث يتملكهم الإحباط وفقدان الثقة في القيادات التي جاءت بها رياح الربيع العربي في غفلة من الزمن يضاف الى ذلك الاستياء والقلق من مسلسل التصعيد الذي بدأ يجور ويستبد على رموز الممارسة السياسية والإعلاميين وأصحاب الرأي والفكر ورموز الفن، مما جعل الشارع يتولى تسيير دفة الحكم عبر المظاهرات والاحتجاجات أو سلطة الميليشيات المسلحة، ذلك لأن الفجوة أخذت تتسع كل يوم بين الأمل والرجاء ولعلها كما تبدو أمام العين اكثر اتساعاً بين الشعوب وقياداتها.

وبدا للجميع كأن يأس الشعوب العربية من الحاضر الماثل والمستقبل المبهم ايقظ في النفوس مبررات لإحياء ذكرى الماضي بكل تجلياته فإذا بعبد الناصر ينهض في ذكرى رحيله بملمحه المميز وبقامته المديدة وصوته المؤثر وشخصيته الكاريزمية ليعيد للأذهان ملامح حلم الوطن العربي القديم.

ومع حضوره الاستثنائي والرمزي استفاقت ذكريات ذلك الزمن الجميل الذي مضى ومن خلال الفراغ يتنادى من الآماد البعيدة عبدالحليم حافظ "نحن بنينا السد العالي" ويجلجل صوت كوكب الشرق "فكروني ازاي هو انا نسيتك" ها هي أربعة عقود مرت على وفاة الراحل المقيم جمال عبدالناصر الذي فجعت برحيله كل المدن العربية ومعه رحل الحلم العربي ولم الشمل، كأن الليلة ما البارحة، آلاف الناس صعقوا من هول الصدمة فخرجوا للشوارع مفجوعين ومأزومين لما سرى الخبر الى أقاصي الدنيا.

والناس كلهم ما بين مصدق ومكذب، إن الزعيم ناصر لم يكن رئيساً لمصر بل زعيماً للأمة العربية وكان بلا منازع الناطق باسمها وهو منصب لا ولم ولن يجئ الوقت ليتقلده من بعده أحد لأنه فصل على قياسه بقامته طولاً وعرضاً، وسيبقى مقعده شاغراً الى ان يرث الله الأرض ومن عليها، وقد استطاع هذا الزعيم الفذ أن يحول الانقلاب العسكري لثورة عظيمة، شهد لها التاريخ ودونها في سجلاته، وهو الذي أسس لبناء جيش مصر العظيم.

ولقد نعته ولأول مرة في تاريخها الأمانة العامة للأمم المتحدة بأنه احد صناع التاريخ المعاصر، وقالت فيه انديرا غاندي: "كان صديقاً حميماً لوالدي وهو مفجر الثورة العربية ومؤسس حركة عدم الانحياز مع أبي، كان زعيماً لم تصنعه الأحداث بل كان يصنعها كما وصفه أبي".

منذ أيام مرت ذكرى رحيل ناصر وأهرام الجيزة غشاها الحزن في مصر فإذا بها تبكي الرحيل المبكر وتستعيد ذكرى انسان زعيم وقائد في قامة هرم. مرت ذكرى رحيل أول مصري صميم وأصيل ولد من أحشاء "أم صابر" ليعيد للعمال والفلاحين حقوقهم المسلوبة وكرامتهم المنزوعة منذ عصور البطالمة والسلاجقة والمماليك وانتهاء ببقايا مخلفات حملة نابليون انتهاء بحكم الأتراك في عهد فاروق "ملك مصر والسودان".

عاش عبد الناصر وعايش أهم وأصعب حقب تاريخ الأمة العربية وهي تكافح لنيل حريتها من نير الحكم الأجنبي فوقف بضراوة الى جانب أحمد بن بيللا مناصراً لثورة التحرير في الجزائر، كما وقف مع ثورة اليمن التي أنهت حكماً أبقى اليمن في كهوف العصور الوسطى وكان شاهداً لاستقلال السودان عام 1956.

وهو الذي حذّر عبد الكريم قاسم رئيس العراق آنداك من مهاجمة الكويت في الستينات، وقال له "لو فكرت في ذلك فسوف اتصدى لك"، وقاد حملة شعواء حتى آخر يوم في حياته ضد الظلم والاستبداد وضد الاستعمار فتكالبت عليه ثلاث دول مجتمعة.

وكانت فاجعة النكسة التي اصابت الأمة العربية كلها في مقتل، وبقى الجرح فاغر الفم، عندها رأى أن عليه ان يتنحى فإذا بجموع الشعب المصري تطالبه بالعدول عن الاستقالة ذلك لأن النصر أو الهزيمة مسؤولية تضامنية، كان صوت المذيع جلال معوض يتداعى من راديو القاهرة مردداً خطاب الاستقالة "أيها الاخوة لقد قررت أن اتحمل وحدي مسؤولية الهزيمة.

وخياري الذى اراه أمامي أن اتنحى ليقول الشعب كلمته"، مازال هناك من يذكر صوت إذاعي يجهش وحياله وطن يبكي وأمة تنتحب وأرتال من البشر ساروا حفاة الأقدام بل قضوا الليلة بأكملها تحت منزل الزعيم في منشية البكري في مشهد لم تعرفه القاهرة إلا يوم رحيل الزعيم الأسطورة الذي رفع راية الأمة العربية .

وقاد مسيرة "ارفع رأسك يا أخي العربي" ضد هيمنة الغرب وأميركا على المصالح العربية عندما أمم قناة السويس وشيد السد العالي. ومضى بالمسيرة في الاتجاه الصحيح لبناء مجتمع الكفاية والعدل بعيداً عن المعسكرين الغربي والشرقي، بشر ناصر بالفكر التقدمي المناهض للنظام الرأسمالي والمعادي للنظام الشيوعي ولهذا سارع لتأسيس "حركة عدم الانحياز مع جواهر لال نهرو وجوزيف تيتو كحركة "وسطية" تعبر عن المصالح الحقيقية للدول النامية.

ومنذ أيام مرت الذكرى 42 لرحيل ناصر مع إفادة جديدة بأن أربعة أحزاب ناصرية قررت الاندماج في كيان حزبي واحد يحمل اسم "الحزب الناصري" وأن يتولى عبدالحكيم جمال عبد الناصر نجل الزعيم الراحل جمال عبد الناصر رئاسة الحزب والذى ألقى فيها عبد الحكيم البيان التأسيسي للحزب الجديد من أمام ضريح الراحل في ذكرى رحيله قائلاً: "إن المشروع القومي العربي الناصري أثبت قدرته على مواجهة تحديات الاستعمار لبسط نفوذه على المنطقة العربية"، مؤكداً أن الحزب سيقاوم الهيمنة الأميركية..

نعود للقول إن هذا الحراك السياسي ومع سقوط مجلس الشعب المنحل وبعد بروز الإخوان المسلمين وتصدرهم للمشهد السياسي "هل يا ترى في مصر سيعيد التاريخ نفسه ؟".