إن المتتبع لأحوال الدول العربية، سواءً في المشرق أو المغرب، أو شماله وجنوبه يصاب بدوار الحيرة والتي مصدرها عدم معرفة ماذا يريد العرب تحديداً؟
كانت الأنظمة السياسية في الدولة ذات الطابع الجمهوري والتي جاءت قوى عسكرية أو شبه عسكرية للسلطة وتدعو إلى الخلاص من السلطة حين ذاك سواء كان ذلك في العراق أو ليبيا أو مصر أو سوريا أو اليمن، وحتى الجزائر وتونس حين كان الظلم والقمع وكبت الحريات هو السائد من دون استثناء يذكر، وترتكب أفظع الجرائم وبشكل يقشعر له بدن الطفل الرضيع .
كان المواطن في تلك الجمهوريات والبلدان يساق إلى المجزرة وكأنه خروف العيد، تغتاله الأنظمة باسم المحافظة على الأمن والاستقرار، وربما تلفق له تهمة الخيانة والتعامل مع أعداء الأمة، ولا يعلم المواطن العربي والبسيط من هم أعداء الأمة في هذه المرحلة.
إن معظم تلك الدول قد وقعت اتفاقية سلام مع اسرائيل، سواءً بشكل علني أو تحت الطاولة وبمباركة من الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية، وغيرها من الدول التي لها علاقات مع الدول العربية.
إلا أن آلة الإعلام في معظم الدول العربية لم تغير مفرداتها منذ ثلاثة عقود، فهي في مواجهة مع العدو، بالرغم من أنها لم تطلق رصاصة واحدة نحو ذلك العدو، بل ربما تم إقامة سهرات ليلية فيما بينهم في مناطق يمنع دخولها للإنسان العادي، ومن المؤكد أن غير العرب هم المستفيدون من تلك السهرات.
إن الحديث عن الأمن والأمان محصور للمحافظة على مصالح أولئك فقط، والمقصود هنا بعض الأنظمة، وقد شارك الأخوان المسلمون وغيرهم في تلك اللعبة، فهم تارة ضد الأفكار الهدامة لليبراليين أو التقدميين أو من يخالفهم من المذهب، وتارة أخرى يدعون إلى إقامة الدولة الإسلامية من دون تحديد ملامحها، فهم لا يعرفون ذلك اللهم من الشعارات البراقة والتي استهلكت من كثرة الاستخدام.
فما هي أساسيات شعار "الإسلام هو الحل"؟! وما هي المنطلقات الفكرية الواضحة لهذا المصطلح، أم أن ذلك جزءاً مع التقية والتي تعود جذورها إلى الفكر الشيعي أو أفكار المدارس الفكرية في العصور الوسطى.
لقد سادت الفوضى والضبابية في معظم الدول العربية وخاصة بعدما عرف خطأ بالربيع العربي، فلم نر الأزهار ولا براعم الأشجار تنمو من جديد، لقد ساد الغبار الأصفر، والأحمر، وازدادت حالات السراب من جديد، وهي قاتلة للحلم.
لقد ازدادت نسبة البطالة، وتهميش المرأة، وازداد عدد الأطفال العاملين من أجل لقمة العيش، بدلاً من الذهاب إلى المدارس وتلقي العلوم، التي تكون سلاحهم في مواجهة المستقبل، فهل يعقل أن يكون الوضع هكذا في دول تنسب لأمة قيل إنها "خير أمة أخرجت للناس"، أم أن ذلك بات محرماً على الإنسان العربي حقه في التعليم.
لعل متابعة ما يجري في مصر، وهي الرائدة في مجال التعليم وتنظيم حقوق العمال ومجانية الكثير من الخدمات، يصاب بالصدمة حينما يطلع على مسودة الدستور المصري والذي رفض من قبل العديد من القوى الاجتماعية وطبقاتها، سواءً تلك المهتمة بشؤون المرأة، مروراً بأعضاء المحكمة الدستورية العليا، ولعل المتعمق في الدستور المقترح يلاحظ أن الحكومة الأخوانية قد تتبرأ من الاتفاقيات الدولية تحت حجج واهية لا يمكن أن يصدقها الإنسان المصري البسيط، فما بالك بمن يمتلك المعرفة والدراية القانونية لتلك المواثيق الدولية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر المساواة بين الرجل والمرأة وتحريم زواج القاصرات.
أما الطبقة العاملة فقد رأت في إلغاء نسبة 50% والمخصصة للعمال والفلاحين في المجلس النيابي تعدياً واضحاً على حقوقهم، وبجرة قلم نسف نضالهم الطويل لتحقيق تلك الحقوق، وضحى العديد منهم بحياته من أجل ذلك. وأخيراً وليس آخراً فإن هذه الأوضاع العامة لتلك الدول، تؤكد أن الشعوب في تلك الدول بحاجة إلى استرجاع حقوقهم من أولئك الذين تسلقوا على كرسي السلطة.
ويتحكمون في مصيرهم من خلال مبدأ القوة والهيمنة، لإذلال ذلك الإنسان الذي لا يزال يبحث عن الحرية والكرامة بعدما رفع راية التغيير نحو تعميم إنسانية الإنسان، سواء كان امرأة أو رجلاً أو طفلاً وهو المستقبل، ولا يهم هذه الشعوب من سيكون في السلطة، علمانياً أو ليبرالياً أو تكفيرياً إسلامياً أو أي مسميات أخرى..