فيما نقف وقفة التأمل في الذكرى الرابعة للإعصار المالي الذي أوشك على أن يدمر الاقتصاد العالمي، تتجمع مجددا سحب سوداء. فأوروبا يتملكها خوف متجدد من انهيار منطقة اليورو، وفيما الانتعاش الأميركي يواصل الجمود، فإن تباطؤ الاقتصاد الصيني يدفع العالم نحو أزمة جديدة.
ومن شأن سقوط مدو في الصين، أن يؤدي إلى تعرض عدد كبير من الدول لعواقب لا يمكن التكهن بها، والإطاحة بآمال الانتعاش العالمي. ومحنة الصين أيضا تدق المسمار الأخير في نعش النظرية التي كانت رائجة يوما، والتي تحمل اسم "فض الثنائية"، والتي يجادل القائلون بها داعين إلى مجال اقتصادي مستقل بذاته يدور حول الصين، يمكن أن يحلق عاليا حتى فيما يمضي الاقتصاد الأميركي إلى ترد عميق.
في الأيام المظلمة خلال عامي 2008-2009، وفي أعقاب انهيار المؤسسات المالية الكبرى، برزت الصين باعتبارها منارة للأمن، وبوصفها المحرك الأعظم للنمو الاقتصادي. ومع تلقي الاقتصاد الصيني لدفعة تنشيط قيمتها 586 مليار دولار، استرد نشاطه وسرعان ما مضى ينمو بمعدله المعتاد البالغ 8٪.
غير أن النمو الذي جرى تنشيطه على هذا النحو، والذي قام بحماية الاقتصاد من تأثير تراجع الطلب على الصادرات استنفد مساره، ذلك أن معدل التضخم العالي وفقاعة العقارات التي تم تنشيطها، تفاقم وضعهما من خلال تراجع الطلب العالمي، حيث تقلصت شهية أوروبا للسلع الصينية بشدة، وتراجعت من خلال أزمة الدين السيادي المتفاقمة. ومع البطالة الأميركية العالية والمخاوف من الركود، تقلص الطلب في أكبر أسواق الصين على نحو مماثل. وإذا كانت بكين قد مالت إلى تقليل قيمة الريمبي في محاولة لزيادة الصادرات إلى أميركا، فإنها يمكن أن تثير خلافا مزعجا، وخاصة في عام يشهد السباق الانتخابي.
ويتم الشعور بتأثير هذا كله على امتداد الصين بأسرها. فوكالات السيارات تعج بالسيارات التي لم يتم بيعها، والمخازن تئن تحت وطأة جبال من السلع التي لم تبع، والملايين من الشقق تظل خاوية على عروشها. وفي محاولة من جانب الشركات لتسييل موجوداتها، فإنها تنخرط في حرب ضارية قوامها تخفيضات الأسعار. ويوضح أحدث البيانات المتاحة، أن طلبيات التصدير تتهاوى بأسرع إيقاع لها منذ أزمة 2008.
والتخفيضات في طلبيات الاستيراد من جانب الشركات الصينية، تنشر الكآبة على امتداد 3 قارات. وألمانيا التي تعد محرك صادرات أوروبا، تبيع الكثير من آلاتها ومعداتها للصين، ولكنها تشهد انخفاضا في نمو إجمالي الناتج المحلي. وأزمة الدين السيادي التي ضربت البنوك الأوروبية، أثرت بشكل غير مباشر على صادرات الصين إلى الدول الأفقر كذلك. وتعتمد الدول الناشئة في إفريقيا وأميركا اللاتينية، على البنوك الأوروبية لتمويل تجارتها، ولكن المقرضين توقفوا عن خطابات رسائل الاعتماد.
يستهلك محرك الصادرات في الصين حوالي 20٪ من طاقة العالم غير القابلة للتجديد، و23٪ من المحاصيل الزراعية الكبرى، و40٪ من المعادن الأساسية. ومن هنا فليس غريبا أن تباطؤ الاقتصاد الصيني قد ألحق الضرر بأستراليا والبرازيل، وبالدول الإفريقية التي كانت تغذي محرك الصادرات الصيني بالمواد الخام، مثل المعادن والسلع الزراعية والبتروكيميائيات.
والأمر كما عبر عنه مسؤول في شركة برازيلية كبرى للحديد الخام، حيث قال إنه مع التباطؤ الصيني فإن "السنوات الذهبية" قد ولت إلى غير رجعة. وقد تخلت شركة "بي إتش بي بيلتون" الأسترالية عن خططها لحفر أكبر منجم نحاس ويورانيوم مفتوح في العالم، كما تهاوت الآمال التي كانت معلقة على إيجاد الألوف من الوظائف.
والانخفاض في الطلبيات على السلع الصينية الاستهلاكية، ينقل كذلك الشعور بالضرر إلى كوريا الجنوبية وتايوان وحشد من الدول الأخرى المشاركة في سلسلة عرض المواد المصنعة. وعلى سبيل المثال، فإن صادرات اليابان من الآلات الثقيلة قد انخفضت بشدة، الأمر الذي أدى بدوره إلى انخفاض في الواردات اليابانية من المواد الخام.
وفي ضوء المدى الذي بلغه انكماش الطلب العالمي، فإن الطريق الرئيسي أمام الصين لتجنب سقوط مدوّ، هو عن طريق الابتعاد عن الاستثمار الذي تحفزه الصادرات، والانتقال إلى النمو الذي يحفزه الاستهلاك. وخلال السنوات الخمس الماضية كانت الصين قد أدخلت نظم المعاش والتأمين الصحي، في محاولة للتشجيع على استهلاك محلي أكبر.
وكان الصينيون الذين يشعرون بالقلق حيال العبء العلاجي ومسؤولية الشيخوخة، قد عمدوا تقليديا إلى الادخار أكثر من الاستهلاك، غير أن معدلات الادخار العالية بصورة دائبة، تشير إلى نجاح محدود في تغيير المحركات الاقتصادية.
فيما تكافح الصين لإعادة التوازن إلى اقتصادها، وفيما الجمود يهيمن على قطاعها التصنيعي، فإن ما ينجم عن ذلك من انخفاض عالمي في أسعار المواد الخام، يمكن أن يوفر حواف فضية للسحب السوداء، بالنسبة للدول النامية التي لا تتوافر لها هذه الموارد. والطلب الضعيف من الصين، يمكن أيضا أن يخفض سعر النفط ويبعد جانبا من دفق الاستثمار الأجنبي المباشر عن الصين.
وبفضل الاستثمار الأجنبي المباشر القوي، فإن الصين باحتياطيها البالغ 3.2 تريليونات دولار، هي في وضع أفضل لمواجهة العاصفة، ولكن التراجع الحالي في فائضها الحسابي قد أوضح أن قدرها ليس منفصلا عن باقي العالم.