أخشى أن تكون مصر أمام السيناريو الأسوأ، حيث تندلع الصراعات في الداخل، وينشغل البعض بالسيطرة على الحكم، وينشغل البعض الآخر بمحاولة إنقاذ ما تبقى من الثورة والثأر لشهدائها، ويحاول البعض الثالث الإبقاء على الحد الأدنى من قدرة أجهزة الدولة على مواجهة المشكلات المتفاقمة والتراجع الاقتصادي.. ووسط هذا كله يكون الفاصل الأساسي من السيناريو يجري على أرض سيناء، وتكون قوى التطرف قد رسخت وجودها، ويكون الفشل في مواجهتها هو الباب المفتوح للتدخل الدولي.. أو ما هو أسوأ!
في احتفالات أكتوبر، حاول الرئيس المصري محمد مرسي أن يبعث برسالة اطمئنان على الأوضاع هناك، ولكن النتيجة كانت سلبية، والصورة كانت مؤسفة.. فقد ذهب الرئيس إلى العريش وسط جحافل من قوات الجيش والشرطة لتأمين الزيارة، ولم يستطع الرئيس ومرافقوه أن يذهبوا إلى رفح التي شهدت أبرز الحوادث الإرهابية، والتي شهدت أخيراً مأساة إرغام المواطنين المسيحيين على الهجرة بعد تهديدهم بالقتل. وتكلم الرئيس فلم يقل شيئاً حقيقياً عن المعركة الدائرة ضد الإرهاب، وأين وصلت؟ وما هي العقبات؟.
. وبدلاً من أن يعلن أن مصر لن تترك المعاهدة مع إسرائيل تعرقل تحركها لضرب الإرهاب في سيناء، وأنها ستطلب ـ على الأقل ـ تعديل الملاحق الأمنية لتوفير حرية الحركة للجيش المصري داخل حدوده الدولية.. بدلاً من ذلك، ترك المتحدث الرسمي باسم الرئاسة يؤكد أن مصر ليست بحاجة لتعديل المعاهدة في الوقت الحالي! بعدها كانت تظاهرة استاد القاهرة التي حشدوا فيها الألوف من أعضاء الإخوان المسلمين، ليحدثهم الرئيس عن إنجازات الحكومة في توفير أنابيب الغاز والتخلص من القمامة (!)..
وكانت المفارقة الخطيرة هنا، هي غياب رموز أكتوبر من رجال القوات المسلحة، بينما كان بجوار الرئيس مرسي على المنصة الرئيسية، الجهادي الشهير الزمر أحد المتهمين الرئيسيين في اغتيال أنور السادات، والذي تم الإفراج عنه بعد الثورة ليؤسس مع رفاقه حزباً سياسياً يتبنى أفكار الجهاد، التي لا تختلف كثيراً عن أفكار رفاقهم الذين يعربدون على أرض سيناء، ينشرون الإرهاب ويقتلون الجنود المصريين وهم يتناولون الإفطار في رمضان! كان المشهد وحده دليلاً على عمق الارتباك الذي تعانيه القيادة السياسية .
وهي تواجه ضرورة التصدي لعصابات الإرهاب قبل أن تستكمل سيطرتها على سيناء، بينما ترضخ لمقتضيات الانتهازية السياسية، فتفتح الأبواب أمام الحلفاء الألداء من التيارات الجهادية، ليقيموا تنظيماتهم وينشروا أفكارهم، ويقودوا المناخ نحو المزيد من التطرف!
وسط هذا الارتباك، تتحرك الأطراف الخارجية، ويزداد مع تحركها الخطر القادم من كل اتجاه.. إسرائيل ترفض أي حديث في تعديل المعاهدة، وتفتعل ضجة حول تحرك بعض الطوابير المدرعة في المنطقة القريبة من الحدود، وفي الوقت نفسه تمهد الطريق لتنفيذ مخططاتها في المنطقة إذا واتتها الظروف..
فهي ـ من ناحية ـ تثير الضجيج حول خطورة الوضع وتنامي قوة الجماعات المتطرفة واحتمالات وجود "القاعدة"، ومن ناحية أخرى ترفض إطلاق يد مصر في مطاردة هذه الجماعات، ومن ناحية ثالثة تحمل مصر المسؤولية وتهدد بأن تقوم بالمهمة بنفسها!
أميركا ـ من ناحيتها ـ تؤيد إسرائيل في رفض تعديل المعاهدة، وفي الوقت نفسه تؤكد أنها تعطي كل اهتمامها للمخاطر في سيناء، ثم.. تعرض المساعدة في ذلك!
وأثناء تواجد الرئيس مرسي في أميركا لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، قابل وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون. وكان لافتاً للنظر أن ما قيل من معلومات عن الاجتماع، أكد أن الوزيرة ركزت حديثها على الوضع في سيناء، وربطته بمحاولة اقتحام السفارة الأميركية في القاهرة على خلفية أزمة الإساءة للرسول الكريم.. أما الدعم الاقتصادي والتعاون السياسي فقضايا مؤجلة إلى حين!
لكن الأخطر من لندن، ومع الكشف عن زيارة قريبة لرئيس أركان الجيش البريطاني لمصر. فقد كان مثيراً أن يتم الإعلان عن أن القائد العسكري الكبير، قادم إلى مصر ومعه فريق من الخبراء يحمل اسم "فريق الاستقرار في مصر"، لبحث الإمكانيات التي يمكن تقديمها للمساعدة في مواجهة الموقف في سيناء، وأيضاً.. لإعادة هيكلة أجهزة الأمن في مصر!
في البداية علق المتحدث باسم الرئاسة المصرية بأنه لا توجد لديه معلومات حول الموضوع! لكن المصادر البريطانية عادت وأكدت المعلومات، مضيفة أن الاتفاق على زيارة القائد العسكري البريطاني تم في اجتماع الرئيس المصري مع رئيس الوزراء البريطاني على هامش اجتماعات الأمم المتحدة!
والخطير هنا أيضاً، أن مصادر الخارجية البريطانية التي نشرت المعلومات عن الزيارة التي ستتم قبل نهاية العام، ربطت بين الدور البريطاني المقترح مع مصر، والدور المشابه الذي تقوم به بريطانيا في اليمن (وفقاً لهذه المصادر).. فهل يعني هذا أن وجود الجماعات الإرهابية في سيناء قد وصل لدرجة وجودها في اليمن؟
وهل يعني أن ما كانت مصر ترفضه على الدوام من بحث الأمر في سيناء مع أي طرف خارجي قد أصبح موضع مراجعة؟ وهل يمكن أن تتقدم بريطانيا بأي خطوة في هذا المجال إلا بموافقة أميركا وبأوامرها وتحت ولايتها وضمن رؤيتها؟ وهل كانت الإطاحة بالمشير طنطاوي خطوة في هذا المخطط، وهو المعروف بمعارضته الشديدة - حتى في ظل النظام السابق ـ لأي تواجد أجنبي في سيناء خارج نطاق قوة الأمم المتحدة المفروضة بحكم المعاهدة؟
ولماذا الربط بين التدخل في سيناء وبين ما تقوله لندن من أن خطتها لإعادة هيكلة أجهزة الأمن المصرية تتضمن خطط إبعاد هذه الأجهزة عن العمل السياسي؟! حتى الآن لا تقدم القاهرة الرسمية أية إجابات عن هذه الأسئلة. إنها مشغولة بصراعات الحكم وقضايا التمكين (!)، ومواجهة احتمالات تجدد الثورة بحثاً عن الأحلام التي ضاعت في أسوأ مرحلة انتقالية تمر بها ثورة. تبقي الأسئلة بلا إجابات، بينما يتعاظم الخطر فوق أرض سيناء، حيث تتحالف عصابات الإرهاب مع نوايا التدخل الأجنبي، مع مخططات العدو الإسرائيلي، لتضع كلها مصر أمام كارثة جديدة في سيناء، التي عادت قبل أربعين عاماً بعد تضحيات غالية!
**
قبل أربعين عاماً، قال الشاعر الكبير سيد حجاب:
خايف في يوم النصر
ألاقيني كسبت سينا وخسرت مصر!
بعد أربعين عاماً تكشف أننا لم نستطع أن نحمي سيناء التي حررناها بأغلى التضحيات، لأننا لم نكسب المعركة ـ حتى الآن ـ حول مصر!