لماذا مرت الذكرى ما قبل الأربعين لأول انتصار عربي حققه المصريون والسوريون في السادس من أكتوبر عام 73، بوحدة الجبهتين وبدعم عربي على الصهاينة أعداء العرب والمسلمين، بينما المشاهد العربية والإسلامية في السادس من أكتوبر عام 2012، غارقة في الفتن ومهددة بالمواجهات الدامية، بما يدعونا إلى التساؤل عما وراء انقلاب المشهد؟

فبينما يخوض الجيش المصري اليوم معركة صعبة لتثبيت السيادة المصرية على أرض سيناء التي حررها في حرب رمضان المجيدة بشهدائه وتضحياته، مع جماعات مسلحة مصرية ذات ألوان مذهبية وسياسية متعددة، في ظل تهديد أمني صهيوني يحاول شد أطراف الدولة المصرية من الخارج لأغراض في نفس "العم يعقوب"!

يتعرض الجيش السوري لمعركة بالغة الصعوبة تراق فيها دماء السوريين، وعلى الأرض السورية التي حماها الجيش الوطني السوري بشهدائه وتضحياته في حرب رمضان، من السقوط في أيدي الصهاينة، بينما تتعرض الدولة السورية الآن لمخاطر التفكك وشد أطرافها من الداخل، والتهديد بالحرب والغزو من الخارج، لأغراض في نفس "العم سام"!

وهنا، ليس لوطني مخلص ولا لمسلم عاقل، ألا يكون موقعه الدائم هو الانتصار لإرادة الشعوب الهادفة إلى الحرية والكرامة، وإلى العدالة والمساواة، وإلى المشاركة في صياغة النظام الذي ترتضيه بإرادة حرة.

لكنه ليس موقفا وطنيا ولا إسلاميا، إذا استقوى بالخارج ودعا للتدخل الأجنبي لإسقاط النظام أو للوصول إلى الحكم بالقوة. وقد أثبت المصريون والتونسيون أن إرادة الشعوب يمكن تحقيقها بالوسائل السلمية، وبالضغط الشعبي والانتخابات الحرة، حتى لا يتحول إسقاط النظام إلى إسقاط للوطن.

وما نشهده هذه الأيام من رسائل نارية متبادلة عبر الحدود السورية التركية والتلويح بالحرب ضد سوريا، على الرغم من المظاهرات الشعبية التركية ومن المعارضة السياسية الحزبية الرافضة للحرب ضد سوريا، ليس لصالح أي منهما.

بل سيكون قطعا عقابا لتركيا وانتقاما من سوريا لصالح العم سام والعم يعقوب، ويفتح الاحتمالات إلى حرب إقليمية أوسع، بل قد تفتح الباب لحرب عالمية ثالثة تدمر كل اللاعبين بالنار في هذه المنطقة الحساسة من العالم..

ولعل ما شهدناه قبل ذلك ومنذ تفجر الأزمة السورية، من تهديدات خارجية أميركية وفرنسية وصهيونية وتركية صريحة، ومن محاولات غربية في مجلس الأمن الدولي، وبقراءة خاطئة قصيرة النظر تسعى للتدخل العسكري الأطلسي في سوريا، في محاولة لتكرار غزو حلف الناتو "الناتو" لدول عربية وإسلامية كأفغانستان والعراق وليبيا.. كل ذلك يثير الارتياب من دور تركيا العضو في حلف الناتو!

وهنا يثور العديد من الأسئلة العربية للقيادة التركية، التي رحبت الشعوب العربية بتوجهاتها الإسلامية والعربية الجديدة، وبمواقفها الإيجابية الشجاعة في مواجهة إسرائيل لنصرة شعب فلسطين، وبسعيها لتصفية المشاكل التركية الإقليمية والدولية بالوسائل السلمية، فإذا بنا نرى انقلابا في التوجهات من الشرق إلى الغرب، ومن التعاون العربي إلى التحالف الأطلسي، ومن التعاون الإسلامي إلى استضافة القواعد الصاروخية لتهديد الجيران المسلمين، ومن "تصفير المشاكل" إلى "تصعيد الأزمات"!

مثلاً، لماذا تراجعت تركيا أمام عدوان الجيش الصهيوني الصارخ على السفينة مرمرة في المياه الدولية وقتل تسعة شهداء أتراك، بينما تصعد الأمور وتستنجد بحلف الناتو ومجلس الأمن لمواجهة سوريا العربية ودق طبول الحرب بالرد العسكري الفوري على قذيفة مورتر، ربما انطلقت بالخطأ أو في إطار اشتباكات عبر خط حدودي مشتعل بين أطراف عدة، بعضها حليف للحكومة التركية؟!

ولماذا تعطي تركيا لجيشها الحق في شن الغارات الجوية والهجمات العسكرية لقتال جزء كردي من الشعب التركي في الداخل، وتجاوزا للحدود الدولية في الأراضي العراقية تعقبا لقواعد حزب العمال، بينما تنكر على غيرها فعلاً مماثلًا؟!

ولماذا انقلب الأعداء إلى أصدقاء، والأصدقاء إلى أعداء، والأشقاء إلى أعداء يكفر بعضهم بعضا، ويضرب بعضهم أعناق بعض لتسيل الدماء أنهارا باسم الدين وتحت صيحات التكبير؟ بينما نبيهم عليه الصلاة والسلام حرم الاقتتال فيما بينهم قائلًا: "لا تعودوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض"!

لماذا يبدو العرب والمسلمون، خصوصا في العقود الأخيرة، متفرقين على عدوهم متحدين على شقيقهم، أشداء على أشقائهم رحماء على أعدائهم، مقبلين على الاقتتال ضد بعضهم، مدبرين عن القتال ضد أعدائهم، على عكس ما أمرهم به ربهم في كتابه العظيم؟!

يبدو أن "العم سام" و"العم يعقوب" أدركا أن لا قوة ولا بقاء لإسرائيل في المنطقة إلا بصنع "العدو البديل" بين العرب والمسلمين، بالوقيعة بين دولهم، وبالفتنة في أوطانهم، على أسس طائفية ومذهبية وعرقية وسياسية، لشغلهم ببعضهم عن إسرائيل، وتحويل أنظارهم ومعاركهم إلى حدودهم وإلى داخل أوطانهم، بعيداً عن فلسطين.. حتى لا يتكرر نصر رمضان/ أكتوبر من جديد!